تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" خير ما قلته أنا والنبيون: لا إله إلا الله ".

وأنت حين تنظر إلى " لا إله إلا الله " تجد النفي في " لا " والاستثناء من النفي والإثبات في " إلا " ، وهذا نفي الألوهية عن غير الله وإثباتها له وحده، وحين نقول: " الله واحد " فهذا يتضمن الإثبات فقط. ويأخذ الفلاسفة الذين يملكون قوة الأداء والبيان من هذه القضية " الإثبات والنفي " ، أو " الموجب والسالب " ، ويقولون: كل التقاء بين موجب وسالب إنما يعطي طاقة، والطاقة يمكن استخدامها في الإنارة أو تدار بها آلة، وكذلك الطاقة الإيمانية تحتاج إلى " سالب وموجب " ، ويقول الشاعر إقبال:

إنما التوحيد إيجاب وسلب

فيهما للنفس عزم ومضاء

ويقول سبحانه وتعالى تذييلا للآية الكريمة: ﴿ سبحانه عما يشركون ﴾ [التوبة: 31] وحين تسمع كلمة ﴿ سبحانه ﴾ [التوبة: 31] فاعرف أنها للتنزيه، فلا ذات مثل ذات الله، ولا صفة مثل صفات الله، فالله غني وأنت غني، فهل غناك الحادث مثل غنى الله الأزلي؟ وأنت حي والله حي، فهل حياتك الموقوتة مثل حياته؟ فحياته ذاتية وحياتك موهوبة، فسبحانه حي بذاته، ولذلك يجب أن تفرق بين اسمه " الحي " واسمه " المحيي " ، فهو حي في ذاته، ومحي لغيره، وإن كانت الصفة لله في الذات فهي لا تتعدى إلى الغير، إن الله يوصف بها ولا يوصف بنقيضها، فتقول " حي " ولا تقول المقابل، ولكن إن قلت: " محيي " فأنت تأتي بالمقابل وتقول: " مميت ".

وتقول: " قابض وباسط " و " رحيم وقهار ". إذن: فصفة الذات يتصف الله بها ولا يتصف بمقابلها، وأما صفة الفعل فيتصف بها ويتصف بمقابلها لأنها في غيره، فسبحانه هو محي لغيره، ومميت لغيره، لكنه حي في ذاته. إذن فكلمة ﴿ سبحانه ﴾ [التوبة: 31] تعني التنزيه ذاتا، وصفات، وأفعالا، وإذا جاء فعل من الله، ويأتي مثله فعل من البشر، نقول: إن فعل الله عز وجل غير فعل البشر لأن فعل الله بلا علاج، ولكن فعل البشر بعلاج، بمعنى أن كل جزئية من الزمن تأخذ قدرا من الفعل، كأن تنقل شيئا من مكان إلى مكان، فأنت تأخذ وقتا وزمنا على قدر قوتك، أما فعل الله عز وجل فلا يحتاج إلى زمن، وقوته سبحانه وتعالى لا نهائية. ولذلك حين قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أسري بي إلى بيت المقدس، قال من سمعوه: أتدعي أنك أتيتها في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ لكن لم يلتفت أحد منهم إلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يقل: لقد ذهبت إليها بقوتي، بل قال: لقد أسري بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إذن: فالذي أسرى هو الله القوي القادر ولا يحتاج الله إلى زمن. إذن: ﴿ سبحانه ﴾ [التوبة: 31] هي تنزيه لله سبحانه وتعالى عن أي شيء يوجد في البشر. ولا تقارن قدرة الله سبحانه وتعالى بقدرة البشر مهما كان، بل إن العمل ينسب لقدرة صاحبه، وكلما زادت القوة زادت القدرة والله هو القوي. وقوله تعالى: ﴿ سبحانه عما يشركون ﴾ [التوبة: 31] هو تنزيه لله، ولا تجد بشرا يقول لبشر حتى من الكفار الذين يعاندون الإيمان، لا يقول واحد منهم لآخر " سبحانك " لأن التنزيه أمر يختص به الله عز وجل. والناس تضع أسماء أولادها، فالأسماء مقدور عليها من البشر، ولكنك لا تجد كافرا معاندا محاربا لدين الله عز وجل يسمى ابنه " الله " فالمؤمن لا يجرؤ على هذه التسمية لأنه يؤمن بالله، والكافر لا يجرؤ عليها أبدا بقدرة الله وقهره.

لذلك فكلمة ﴿ سبحانه ﴾ [التوبة: 31] ولفظ الجلالة " الله " لفظان يختص بهما الله وحده بالقدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى، وسبحانه القائل:

رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا

[مريم: 65]. إذن: فالله سبحانه وتعالى - بالقدرة والقهر - حجز ألسنة البشر جميعا أن يقول أحدهم لأحد: " سبحانك " ، أو أن يسمى أحد ابنه " الله ". والله عز وجل يقول هنا: ﴿ لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ﴾ [التوبة: 31]، وموقف المشركين وأهل الكتاب واقع تحت هذه الآية لأن منهج السماء لا يأتي إلا إذا عم الفساد والله سبحانه وتعالى يريد من الإنسان الخليفة في الأرض أن يكون صالحا ومصلحا، وأقل درجات الصلاح أن تترك الصالح فلا تفسده، فإن استطعت أن ترتقي به فهذا هو الأفضل. فإن كانت هناك بئر يشرب منها الناس، فالصلاح أن تترك هذه البئر ولا تردمها، والأصلح من ذلك أن تحمي جدرانها بالطوب حتى لا تنهار الأتربة وتسدها، وأن تحاول أن تسهل حصول الناس على الماء من البئر، والأصلح منه أن تصنع خزانا عاليا، ومن هذا الخزان تمتد المواسير ليصل الماء إلى الناس في منازلهم بدون تعب، هذا إصلاح لأنك بذلك إنما تأخذ بأسباب الحق القائل عن تميز الفكر عند ذي القرنين:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٦٠