تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم "

. فلا تتعجب ولا تكذب لأنك لا تحس به. فالله أعطاك في عالم الماديات ما هو أكثر كثافة في الخلق ويدخل في جسدك ولا تحس به. إذن: فالعلم أثبت لنا أن هناك موجودات لا نراها. ولو أننا باستخدام الميكروسكوبات الإلكترونية الحديثة فحصنا كل خلية في جسم الإنسان فإننا سنرى العجب، سنرى في جلد الإنسان الذي نحسبه أملس آبارا يخرج منها العرق، وغير ذلك من تفاصيل بالغة الدقة لا تدركها العين، فإذا حدثنا الله سبحانه وتعالى بأن هناك ملائكة تنزل وتقاتل، فنحن نصدق، وقد جعل الحق تبارك وتعالى لنا ما يطمئن بشريتنا فقال: ﴿ وأنزل جنودا لم تروها ﴾ [التوبة: 26] فإن قال واحد: إنه رآها، وقال آخر: لم أر شيئا، نقول: إن قول الحق: ﴿ لم تروها ﴾ [التوبة: 26] أي: لم تروها مجتمعين، فهناك من لمحها، وهناك من لم يرها. وقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ [التوبة: 26] أي: بالقتل أو بالأسر أو بسلب أموالهم، وقوله تعالى: ﴿ وذلك جزآء الكافرين ﴾ [التوبة: 26] أي: أن ما لحق بهم من هزيمة كان جزاء لهم على كفرهم. ولكن البعض يتساءل: لماذا لم ينزل الجزاء وتتم الهزيمة من أول لحظة في القتال؟ نقول: إن الله أراد أن يزيد عذابهم، فلو أنه ألحق بهم الهزيمة من أول لحظة، لكان ذلك أخف على أنفسهم وأقل عذابا، ولكنه أعطاهم أولا فرحة النصر حتى تأتي الهزيمة أكثر قسوة وأكثر بشاعة، والشاعر يقول:

كما أدركت قوما عطاشا غمامة

فلما رأوها أقشعت وتجلت

فحين تمر سحابة على قوم يعانون من شدة العطش، هم يحلمون أن تمطر عليهم، لكن الحلم يتبدد تماما كالمسجون الذي يعاني من عطش شديد. فيطلب من السجان شربة ماء فيقول له السجان: سأحضرها لك. وفعلا يذهب السجان ويحضر له كوب ماء مثلج فيعطيه له ويمسك المسجون الكوب بيده ونفسه تمتلئ فرحا. وإذا بالسجان يضربه بشدة على يده فيسقط الكوب على الأرض، فيصاب المسجون بصدمة شديدة. وهذه أبشع طرق التعذيب. ولو أن السجان رفض إحضار كوب الماء من أول الأمر لكان ذلك أقل إيلاما للسجين. لكن بعد أن يحضر كوب الماء للمسجون ويضعه في يده ثم يحرمه منه فهذا أكثر عذابا. وهكذا أراد الله أن يزيد من عذاب الكافرين فأعطاهم مقدمات النصر وحلاوته أولا، ثم جاءت من بعد ذلك مرارة الهزيمة لتسلبهم كل شيء، وبذلك تجتمع لهم فجيعتان: فجيعة الإيجاب، وفجيعة السلب. ثم تأتي لمحة الرحمة التي يغمر بها الله سبحانه وتعالى كونه كله، ويفتح الباب لكل عاص ليعود إلى طريق الإيمان فيتقبله الله، ويقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٤٣