تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة

[آل عمران: 13]. فما دامت الأخرى ﴿ كافرة ﴾ تكون الأولى " مؤمنة " ، ولكن حذفت " مؤمنة " لأن ﴿ كافرة ﴾ تدل عليها، وما دامت الأولى المؤمنة تقاتل في سبيل الله، فالفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان. وحذف تقاتل في سبيل الشيطان لأن ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ دلت عليها. وذلك حتى لا يحدث تكرار. ونجد أن المؤمن الذي يستمع إلى كلام الله تعالى لا بد أن يكون عنده عمق فهم، وأن يكون كله آذانا صاغية حتى يعرف ويتنبه إلى أنه حذف من واحدة ما يدل على الثانية. إذن: فيكون ظرف الزمان موجودا في واحدة، وظرف المكان موجودا في واحدة، وكلاهما يدل على الآخر. والمثال على ذلك أنه بعد أن انتهت هذه الغزوة، وعاد المسلمون إلى المدينة مجهدين لم يخلعوا ملابس الحرب، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ".

فانطلق المسلمون دون أن يستريحوا إلى أرض بني قريظة، وهم اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، وخانوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحالفوا مع الكفار ضد المسلمين، وبينما الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة كادت الشمس تغيب، فقال بعض الصحابة: إن الشمس ستغيب ولا بد أن نصلي العصر، وصلوا.

وفرقة ثانية من الصحابة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب منا ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة ولم يصلوا حتى وصلوا إلى هناك. ونقول: إن الفريقين استخدما المنطق لأن الصلاة تحتاج إلى ظرف زمان وظرف مكان، فالذي نظر إلى ظرف الزمان قال: الشمس ستغيب، وصلى، والذي نظر إلى ظرف المكان الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل. وأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفريقين، واحترم اجتهادهما في: ظرفية الزمان، وظرفية المكان. وفي هذا يروي نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب:

" لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة "

فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم. ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ﴾ [التوبة: 25] والغنى هو عدم الحاجة إلى الغير، وحنين هو موضع في واد بين مكة والطائف، تجمع فيه الكفار الذين ساءهم فتح المسلمين لمكة، فأرادوا أن يقوموا بعملية مضادة تضيع قيمة هذا النصر. فاجتمعت قبائل هوازن وثقيف، واختاروا مالك بن عوف ليكون قائدهم في هذه المعركة. واستطاع مالك بن عوف أن يجمع أربعة آلاف مقاتل، وانضم إليهم عدد من الأعراب المحيطين بهم. ووضع مالك خطته على أساس أن يخرج الجيش ومعه ثروات المشاركين في الجيش من مال، وبقر وإبل. وأن يخرج مع الجيش النساء والأطفال. وذلك حتى يدافع كل واحد منهم عن عرضه وماله فلا يفر من المعركة، ويستمر في القتال بشجاعة وعنف لأنه يدافع عن نسائه وأمواله وأولاده. وبذلك وضع كل العوامل التي تضمن له النصر. بينما المؤمنون عندما تبدأ المعركة سيقاتلون مدافعين عن دين الله ومنهجه. واجتمع الكفار ونزلوا بواد اسمه " وادي أوطاس ". وكان فيهم رجل كبير السن ضرير. اسمه " دريد بن الصمة ". وكان رئيسا لقبيلة " جشم ". فلما وصل إلى مكان المعركة سأل: بأي أرض نحن؟ فقالوا: نحن بوادي أوطاس.. فابتسم وقال: لا حزنا ضرس ولا سهلا دهس، أي أنها أرض مناسبة ليس فيها أحجار مدببة، تتعب الذي يسير عليها، وليست أرضا رخوة تغوص فيها أقدام من يسير عليها، من " الحزن " فالحزن هو: الخشونة والغلظة، و " ضرس " هو: التعب أثناء السير، وأيضا ليست أرضا سهلة منبسطة رملية تغوص فيها الأقدام. وعندما سمع العجوز بكاء الأطفال وثغاء الشاة، قال: أسمع بكاء الصبيان وخوار البقر. فقالوا له: إن مالك بن عوف استصحب ذراريه واصطحب كل أمواله، فقال: أما الأموال فلا بأس، وأما النساء والذراري فهذا هو الأرعن - أي: لا يفهم في الحرب - أرسلوه لي، فأحضروه له.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٣٩