تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه ".

وكررها عليه الصلاة والسلام ثلاثا، فعلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن هذا تكليف. والتكليف لا يأتي إلا بالحب العقلي الذي يمكن أن يقنن. وقد يتسامى المؤمن في الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليصير حبا عقليا وعاطفيا. ولكن الحب العقلي هو مناط التكليف، أما الحب العاطفي فلا يكلف به. ولم يقنن الحق سبحانه وتعالى لانفعالات العواطف، لأنه سبحانه لا يمنع العواطف أن تنفعل انفعالاتها الطبيعية، فأنت تحب من يسدي إليك معروفا، وهناك من تحبه دون أن تعرف السبب. وهناك من تبغضه دون أن يكون قد عاداك أو آذاك، وكل ذلك متروك لك، ولكن الله سبحانه وتعالى نهى أن يؤدي ذلك إلى عدوان على الحق، فقال سبحانه وتعالى:

ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا..

[المائدة: 8]. أي: لا يدفعكم كره قوم على أن تخرجوا عن طريق الحق وتظلموهم، فإن كرهتموهم فتمسكوا بالعدل معهم. إذن فالله سبحانه وتعالى لم ينه عن الحب أو الكره ولكنه نهانا عن أن نظلم من نكره أو نجامل من نحب على حساب الحق والعدل. ويعطينا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صورة حية لهذا فقد قتل أبو مريم الحنفي زيد بن الخطاب شقيق سيدنا عمر في معركة اليمامة، ثم دخل في الإسلام فكان كلما مر أمام سيدنا عمر قال له: إلو وجهك بعيدا عني، فإني لا أحبك. فقال له أبو مريم الحنفي: أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي. قال: لا. فقال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء. والحق سبحانه وتعالى حين قال: ﴿ إن استحبوا الكفر على الإيمن ﴾ إنما يريد أن يلفتنا إلى أنهم عارضوا فطرتهم وعقولهم ولذلك لا نجعل انتماءنا لهم فوق انتمائنا لله، فالولاء لله فوق كل حق حتى لو كان حق الأبوة، صحيح أن الأب سبب وجودك، ولكنه سبحانه وتعالى خلق أباك الأول آدم من عدم، فلا تجعل الخلق الفرعي يطغى على الخلق الأصلي.

ولذلك يذيل الحق هذه الآية الكريمة بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون ﴾ لأنهم نقلوا الحق من الله سبحانه وتعالى إلى الخلق، ولأنهم ظلموا أنفسهم فحرموها من الجزاء في الآخرة ليحققوا نفعا عاجلا في الدنيا. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

[البقرة: 57]. لأن أحدا لا يستطيع أن يظلم الله سبحانه وتعالى، والذي يتمرد على الإيمان بعد أن يسمع الدعوة إليه ولا يؤمن، ومن يأمره الحق بالطاعة فيعصي، فهذا تمرد على الإيمان، وإن كنت من المتمردين وجاءك الله بمرض فهل تقدر على دفع المرض ولا تمرض؟. وإذا جاءك الله بالموت. أتستطيع أن تتمرد على الموت وتبعده عنك فلا تموت؟. إذن: هناك أقدار لا تستطيع التمرد عليها، وأنت متمرد - فقط - فيما لك فيه اختيار. وبعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يخاطبهم خطابا صريحا فقال: ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٣٥