تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كيف تكفرون بالله..

[البقرة: 28]. وهذا التساؤل والتعجب يوضح لنا أن الذين يحكمون المنطق والفكر والعقل يصعب عليهم الكفر بالله، لماذا؟ لأن الكون وجد أولا، ثم وجد الإنسان، فكان من الواجب حين نأتي إلى كون لم نصنع فيه شيئا أن نسأل: من الذي أوجده؟ وكان من الطبيعي أن يبحث العقل عن الموجد، وخصوصا أن في الكون أشياء، لا قدرة للبشر على إيجادها كالشمس، والأرض، والماء، والهواء، والنبات، والحيوان.

وكلها تمثل الاستقبال الجامع لمقومات حياتك. كان من الطبيعي - إذن - أن نسأل: من الذي أوجد هذا الكون؟. خصوصا أننا نفتش عمن اخترع لنا اختراعا بسيطا مثل: مصباح الكهرباء وندرس تاريخ حياته، وكيفية اكتشافه، لمجرد أنه أضاف إلى حياتنا اختراعا استفدنا منه، فما بالنا بمن خلق هذا الكون؟. ولقد رحمنا سبحانه وتعالى من ضلالات الحيرة، فأرسل لنا رسولا برحمة منه لينبهنا ويقول لنا: إن هذا الكون من خلق الله القادر العظيم. لماذا إذن لا نصدق الرسول، ونتبع المنهج الذي أنزل إلينا؟ ولقد ضربنا مثلا - ولله المثل الأعلى - بشخص سقطت به الطائرة وسط الصحراء وبقي حيا، لكن لا ماء ولا طعام، ثم أخذته سنة من النوم واستيقظ ليجد الطعام والشراب، وكل ما يحتاج إليه حوله ألا يفكر قبل أن يأكل من كل هذا: من الذي جاء به؟. وأنت أيها الإنسان قد جئت إلى هذا الكون العظيم وقد أعد إعدادا مثاليا لحياتك، وهو إعداد فوق القدرة البشرية، فكان يجب أن تفكر من الذي أوجد هذا الكون؟. إذن: فالإيمان ضرورة فطرية وضرورة عقلية أيضا، وإن ابتعدت عن الإيمان فهذا يحتاج إلى تكلف لأنك تبتعد عن منطق الفطرة والعقل لتحقق شهوات نفسك. وما دمت قد اتبعت هواك وخضعت لشهوات النفس، فهذا لون من التكلف الذي يصيب ملكاتك بالخلل، وعقلك بالخبل، فحب الكفر لا يكون عاطفيا، أو فطريا، كما لا يكون منسجما مع العقل السليم، بل هو حب متكلف. فالذي يفعل حلالا يحيا وملكاته كلها منسجمة، والذي يفعل حراما يعيش وملكاته مضطربة، والمثال: حين ينظر الرجل إلى زوجته، فهو ينظر إلى حلاله ويشعر أن ملكاته منسجمة، ولكن إن نظر إلى امرأة أخرى، فهو.. يشعر باضطراب الملكات. فالسلوك المتفق مع الإيمان سلوك سوي. أما السلوك الخارج عن منهج الإيمان فهو الذي يحتاج إلى تكلف، وهذا التكلف يعارض الطباع الإنسانية. بينما توابع الإيمان من الاستقامة لا تكلف شيئا، فالمؤمن يكون مستقيما فلا يرتشي، ولا يسرق، ولا يدخل بنفسه إلى مزالق الهوى أو الشهوة، ويحيا حياة طيبة، فإن فتح " دولابه " الخاص، وأخذ منه شيئا فهو يأخذ ما يريد بهدوء واطمئنان، لكن المنحرف من يدخل إلى غير حجرته ويأخذ شيئا من " دولاب " ما، حتى ولو كان " دولاب " الأب النائم، لذلك نجده يسير على أطراف أصابعه متلصصا ليفتح " دولاب " أبيه. إذن: فالاستقامة لا تحتاج إلى تكلف، ولكن الانحراف هو الذي يحتاج إلى تكلف، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿ استحبوا ﴾ ولم يقل " أحبوا " ، لأن الحب أمر فطري، فالإنسان - مثلا - يحب ابنه حبا فطريا عاطفيا، والحب العاطفي لا يقنن.

فأنت لا تستطيع أن تقول: سأحب فلانا وسأكره فلانا لأن العاطفة لا تأتي بهذه الطريقة لذلك أنت تحب ابنك عاطفيا، حتى وإن كان فاشلا في دراسته. لكنك تحب ابن عدوك عقليا إن كان متفوقا، إذن فالحب العقلي هو الذي يقنن له. وكذلك أنت تكره الدواء المر بعاطفتك، لكنك تحبه بعقلك إن كان فيه شفاؤك، فتبحث عنه، وتدفع المال من أجله، وتحرص على أن تتناوله، وكلنا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه ".

ووقف عند هذه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال: يا رسول الله: أنا أحبك عن مالي وأحبك عن ولدي، ولكن كيف أحبك عن نفسي؟ فكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث قائلا:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٣٤