إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء..
[القصص: 56]. نقول: نعم، إن مشيئة الهدى من الله سبحانه وتعالى، لكنه سبحانه قد أوضح لنا من لا يدخلهم في مشيئة هديه، فقال:
والله لا يهدي القوم الكافرين
[البقرة: 264]. وقال سبحانه:
والله لا يهدي القوم الظالمين
[البقرة: 258]. وقال سبحانه:
والله لا يهدي القوم الفاسقين
[المائدة: 108]. وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى هذه الحقائق في الكثير من آيات القرآن الكريم. وبعض الناس يقول: إن الهدى من الله، ولو أن الله هداني ما قتلت، وما سرقت وما ارتشيت، ونقول: هذا فهم خاطىء، ولنرجع إلى القرآن الكريم، فالحق تبارك وتعالى يقول: ﴿ والله لا يهدي ﴾ أي نفي ما يستوجب الهداية عمن ظلم أو فسق أو كفر لأن الحق سبحانه لا يهدي من قدم الكفر أو قدم الظلم أو قدم الفسق فكأن الكافر أو الظالم أو الفاسق، هو الذي يمنع الهداية عن نفسه.
ولو قدم الإنسان الإيمان لدخل في هداية الله تعالى، فكأن خروج الإنسان عن مشيئة هداية الله هي مسألة من عمل الإنسان وباختياره، فقد يختار الإنسان طريق الغواية، ويترك طريق الهداية لذلك لا يهديه الله لأنه سبحانه لا يهدي إلا المؤمن به. وإن اختار الإنسان طريق الهداية، فالحق يعطيه المزيد من الهدى لأنه آمن بالله فاختار طريق الهداية، واستقبل منهج الله بالرضى. وهكذا نفهم قول الحق تبارك وتعالى:
فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء..
[فاطر: 8]. إذن فالحق يهدي من استمع إلى القرآن بروح الإيمان، واستقر في يقينه أن له ربا، واعتقد أن له إلها، وقد فصلنا ذلك في مسألة القضاء والقدر، وقلنا: إن الذين يقرأون القرآن لفهم قضية الهداية عليهم أن يستقرئوا كل الآيات المتعلقة بالموضوع، فسبحانه وتعالى قد أوضح أنه لا يهدي الكافر، إذن فهو يهدي المؤمن، وأوضح أنه لا يهدي الظالم، إذن فهو يهدي العادل، وأوضح أنه جل وعلا لا يهدي الفاسق، إذن فهو يهدي الطائع، فلا يقولن أحد: إن الله لم يشأ أن يهديني لأن هذا فهم خاطىء لمعنى الهداية من الله فسبحانه وتعالى قد بين لنا من شاء هدايته ومن شاء إضلاله، وهو يهدي من قدم أسباب الهداية، وأسلم مقاليد زمامه للإيمان، والله سبحانه وتعالى يقول:
ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا
[مريم: 76]. ويقول أيضا:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. إذن فالله أخبرنا مسبقا بمن يستحق هدايته ومن لا يدخل فيها، وأنت باختيارك طريقك، إما أن تؤمن فتدخل في الهداية، وإما أن تختار طريق الكفر والظلم والعياذ بالله فتمتنع عنك الهداية. فإذا جاء أحد يجادلك ويقول لك: إن الله سبحانه وتعالى قد قال:
كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء..
[المدثر: 31]. لك أن تقول له: لقد بين الله عز وجل من شاء له الهداية، ومن شاء له الضلال، ولقد ضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - فقلنا: إن الهداية قد وردت في القرآن الكريم على معنيين: المعنى الأول هو الدلالة على الطريق، وهذه هداية للجميع، فقد دل الله المؤمن والكافر على طريق الإيمان برسله وكتبه، أي: بين لهم ما يرضيه وما يغضبه وما يوجب رحمته وما يوجب لعنته، فالهداية الأولى - إذن - وردت بمعنى الدلالة للجميع، أي: أنها هداية عامة. ثم هناك هداية ثانية خاصة للمؤمنين، وهي التي بينها الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. أي: أعانهم على منهجه فيسر لهم الطاعة وصعب عليهم المعاصي، فإذا امتثل المؤمن لمنهج الله وأطاعه، فالحق عز وجل يشرح صدره بذلك، ويحبب الطاعة إليه فيزداد طاعة. وإذا شرع في ارتكاب المعصية بغضها له وجعلها ثقيلة على نفسه حتى يتركها. وضربنا لذلك مثلا بالرجل الذي يقود سيارته ذاهبا لمكان معين. وعند مفترق الطرق وجد رجلا من رجال المرور فدله على الطريق، هذه دلالة عامة. وعندما يقدم الرجل الشكر لجندي المرور. فرجل المرور يزيد من الإيضاح له: لا تتبع طريق كذا لأن فيها متاعب ومصاعب، واتبع طريق كذا وكذا تصل في سرعة ويسر، وهذه زيادة في الدلالة، أو زيادة في الهداية. لكن إن قال سائق السيارة لنفسه: إن هذا رجل مرور لا يعرف شيئا، وتجاهل شكره، فرجل المرور يتركه وشأنه. إذن فالحق سبحانه قد هدى المؤمن والكافر إلى طريق الإيمان، فمن اتخذ طريق الإيمان أعانه الله تعالى عليه. ومن اتخذ طريق الكفر - والعياذ بالله - تركه الله يعاني ويضل. ولذلك لا بد لنا أن نتذكر دائما أن الهداية هدايتان هداية دلالة لكل الناس، وهداية معونة للمؤمنين فقط، وفي الدلالة العامة يقول الحق تبارك وتعالى: