تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما في الذمة - إذن - هو شيء إن لم تفعله تفضح، مثال ذلك: أن تقرر بينك وبين نفسك أن تساعد أسرة ما، وهذا أمر خاضع لإرادتك، فلا عهد يجبرك على ذلك ولا قرابة ولا جوار، لا شيء إلا ذمتك، ولذلك فأنت تراعي الوفاء بما وعدت نفسك به لتحافظ على سمعتك ورؤية الغير لك. وكذلك أيضا حين تأخذ دينا بلا إيصال منك أو شهود عليك، ولكنك تحرص على أن ترده لأنه في ذمتك. ﴿ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ [التوبة: 8]. وهكذا نعرف أن " كيف " هنا تعجب من أن يكون للمشركين الآن أو في المستقبل عهد لأنهم يحترفون نقض العهود ولو تمكنوا من المؤمنين فهم ينكلون بهم أبشع تنكيل دون مراعاة لأي اعتبار، وقد يقول قائل: إنهم معنا على أحسن ما يكون بشاشة وجه وحسن استقبال إلى آخره، فكيف إذا تمكنوا منا انقلبوا إلى وحوش لا ترحم؟. ونقول: إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يظهر وما يخفى، وقد علم ما يدور في خواطر المؤمنين فرد عليهم حتى لا يترك هذه الأشياء معلقة داخل نفوسهم، ولذلك يريد سبحانه وتعالى على هذا الخاطر: ﴿ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ [التوبة: 8]. أي أن الله عز وجل ينبه المؤمنين ويحضهم ألا يصدقوا الصورة التي يرونها أمامهم من المشركين لأنها ليست الحقيقة، بل هو خداع ونفاق فهم يقولون القول الحسن، ويقابلونك بوجه بشوش وألفاظ ناعمة، لكن قلوبهم مليئة بالحقد عليكم أيها المسلمون بحيث إذا تمكنوا منكم تظهر مشاعرهم الحقيقية من البغض الشديد والعداوة، ولا يرقبون فيكم إلا ولا ذمة. فإذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ يرضونكم بأفواههم.. ﴾ [التوبة: 8]. فعلى المؤمنين أن يصدقوا ما جاء من الحق، ويكتشفوا أن اللسان الحلو وحسن الاستقبال ليس إلا خداع، من هؤلاء الأعداء، وهو سبحانه بهذا الكشف إنما يعطينا مناعة بألا ننخدع بما نراه على وجوههم فهذا مجرد أمر استقبالي، لا يمثل ماضيا أو حاضرا، وحين يبرم سبحانه وتعالى أمرا استقباليا فهو يخبر به عباده المؤمنين، ولذلك نجده سبحانه وتعالى يرد بنفس الأسلوب على هذه الخواطر والمثال: في قوله سبحانه وتعالى:

إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا..

[التوبة: 28]. والبلاغ هنا نهي عن دخول المشركين المسجد الحرام أو اقترابهم منه، ومن الطبيعي أن تدور الخواطر هنا في نفوس عدد من المؤمنين الذين يستفيدون من المشركين في مواسم الحج، لأنهم أمة تعيش على اقتصاد الحج، حيث يبيعون السلع لهؤلاء القوم ليكسبوا قوت العام، فإذا ما تم منع المشركين من الحج أو الاقتراب من المسجد الحرام، فمن أين يأتي الرزق الذي يحصلون عليه من البيع لهم؟ ولا بد أن يفكر المؤمنون: من أين سنأكل؟.

نحن نحضر بضاعتنا وننتظر طوال الموسم حتى الحج فإذا نقص عدد الحجاج فلمن نبيع؟. فيرد الله سبحانه وتعالى على هذه الخواطر بقوله تعالى:

وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله..

[التوبة: 28]. أي لا تخافوا الفقر، لأن الله يعلم ما سوف يحدث، والله هو الغني وعنده مفاتيح كل شيء وسوف يغنيكم من فضله ويفتح لكم باب الرزق مما يعوضكم وزيادة. وهكذا يرد الله سبحانه وتعالى على الخواطر التي تدور في نفس المؤمن ساعة نزول القرآن حتى تطمئن قلوب ونفوس المؤمنين فيقول عز وجل: ﴿ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ﴾ [التوبة: 8]. وفي هذا القول رد على الخواطر التي دارت في نفوس المؤمنين وهم يرون المشركين يستقبلونهم بألفاظ ناعمة ووجوه تملؤها البشاشة، فأوضح لهم الحق سبحانه وتعالى: لا تنخدعوا فما في القلوب عكس ما هو على الوجوه. وقوله تعالى: ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ [التوبة: 8]. يبين أنهم بعيدون عن المنهج، فالفسق هو الخروج عن الطاعة، وهل الكافر والمنافق له طاعة؟. نقول: إنك إن نظرت لهؤلاء تجدهم خارجين حتى عن المنهج الذي اتخذوه لأنفسهم فهم لا يلتزمون بمنهج الباطل الذي يعتنقونه، إذن فهم فاسقون حتى في المنهج الذي ينتسبون إليه، فإذا كانوا كذلك مع منهج الباطل، فكيف بهم مع منهج الحق؟. وقوله تعالى: ﴿ وأكثرهم فاسقون ﴾ يوضح بأنه قد تكون هناك قلة ملتزمة، وهذا احتياط قرآني جميل، كما أنها ردت على السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن أن هؤلاء كافرون - وليس بعد الكفر ذنب - فكيف يقال إنهم فاسقون أي عاصون أو خارجون عن الطاعة وهم غير مؤمنين أصلا؟. نقول: إنهم خارجون حتى عن مناهج الكفر التي اختاروها لأنفسهم، ولذلك يبين الله سبحانه وتعالى وضعهم حين يقول: ﴿ اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢١٠٦