تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين

المنافقون10، وقوله

حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن

النساء18، وقوله

فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين

غافر84 إلى غير ذلك من الآيات. فهذا معهود من طبع الإنسان، ولا يعلم من عادته أن يدع قاتله ويعدل إلى غيره، وما خرج عن هذا نادر في الناس لا حكم له. الأمر الثاني - أن قصة قتيل بني إسرائيل تدل على اعتبار قول المقتول دمي عند فلان. فقد استدل مالك بقصة القتيل المذكور على صحة القول بالقسامة بقوله قتلني فلان، أو دمي عند فلان - في رواية ابن وهب وابن القاسم. ورد المخالفون هذا الاستدلال بأن إحياء معجزة لنبي الله موسى، وقد أخبر الله تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبرا جزما لايدخله احتمال - فافترقا. ورد ابن العربي المالكي هذا الاعتراض بأن المعجزة إنما كانت في إحياء المقتول، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد. قال وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك، وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه. فلعله أمرهم بالقسامة معه اه كلام ابن العربي. وهو غير ظاهر عندي. لأن سياق القرآن يقتضي أن القتيل إذا ضرب ببعض البقرة وحيي أخبرهم بقاتله، فانقطع بذلك النزاع المذكور في قوله تعالى

وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها

البقرة72. فالغرض الأساسي من ذبح البقرة قطع النزاع بمعرفة القاتل بإخبار المقتول إذا ضرب ببعضها فحيي والله تعالى أعلم. والشاهد العدل لوث عند مالك في رواية ابن القاسم. وروى أشهب عن مالك أنه يقسم مع الشاهد غير العدل مع المرأة وروى ابن وهب أن شهادة النساء لوث. وذكر محمد عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث. دون شهادة المرأة الواحدة. وقال القاضي أبو بكر بن العربي اختلف في اللوث اختلافا كثيرا. ومشهور مذهب مالك أنه الشاهد العدل. وقال محمد هو أحب إلي، قال وأخذ به ابن القاسم وابن عبد الحكم. وممن أوجب القسامة بقوله دمي عند فلان الليث بن سعد وروي عن عبد الملك بن مروان.

والذين قالوا بالقسامة بقول المقتول دمي عند فلان، منهم من يقول يشترط في ذلك أن يكون به جراح. ومنهم من أطلق. والذي به الحكم وعليه العمل عند المالكية أنه لا بد في ذلك من أثر جرح أو ضرب بالمقتول، ولا يقبل قوله بدون وجود أثر الضرب. واعلم أنه بقيت صورتان من صور القسامة عند مالك. الأولى - أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش المضروب بعده أياما ثم يموت منه من غير تخلل إفاقة. وبه قال الليث أيضا. وقال الشافعي يجب في هذه الصورة القصاص بتلك الشهادة على الضرب. وهو مروي أيضا عن أبي حنيفة. الثانية - أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلا، ولا يوجد غيره فتشرع القسامة عند مالك. وبه قال الشافعي. ويلحق بهذا أن تفترق جماعة عن قتيل. وفي رواية عن مالك في القتيل يوجد بين طائفتين مقتتلتين أن القسامة على الطائفة التي ليس منها القتيل إن كان من إحدى الطائفتين. إما إن كان من غيرهما فالقسامة عليهما. والجمهور على أن القسامة عليهما معا مطلقا. قاله ابن حجر في الفتح. وأما اللوث الذي تجب به القسامة عند الإمام أبي حنيفة فهو أن يوجد قتيل في محله أو قبيلة لم يدر قاتله، فيحلف خمسون، رجلا من أهل تلك المحلة التي وجد بها القتيل يتخيرهم الولي - ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا. ثم إذا حلفوا غرم أهل المحلة الدية ولا يحلف الولي، وليس في مذهب أبي حنيفة رحمه الله قسامة إلا بهذه الصورة. وممن قال بأن وجود القتيل بمحلة لوث يوجب القسامة الثوري والأوزاعي. وشرط هذا عند القائلين به إلا الحنفية أن يوجد بالقتل أثر. وجمهور أهل العلم على أن وجود القتيل بمحلة لا يوجب القسامة، بل يكون هدرا لأنه قد يقتل ويلقى في المحلة لتلصق بهم التهمة. وهذا ما لم يكونوا أعداء للمقتول ولم يخالطهم غيرهم وإلا وجبت القسامة. كقصة اليهود مع الأنصاري. وأما الشافعي رحمه الله فإن القسامة تجب عنده بشهادة من لا يثبت القتل بشهادته. كالواحد أو جماعة غير عدول. وكذلك تجب عنده بوجود المقتول يتشحط في دمه، وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل وعيله أثر الدم مثلا ولا يوجد غيره، ويلحق به افتراق الجماعة عن قتيل. وقد قدمنا قول الجمهور في القتيل يوجد بين الطائفتين المقتتلتين. والذي يظهر لي أنه إن كان من إحدى الطائفتين المقتتلتين أن القسامة فيه تكون على الطائفة الأخرى دون طائفته التي هو منها وكذلك تجب عنده فيما كقصة اليهودي مع الأنصاري. وأما الإمام أحمد فاللوث الذي تجب به القسامة عنده فيه روايتان. الأولى - أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعي عليه، كنحو ما بين الأنصار واليهود، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرىالذين بينهم الدماء والحروب وما جرى مجرى ذلك.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧١١