17.15
قوله تعالى ﴿ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من اهتدى فعمل بما يرضي الله جل وعلا، أن اهتداءه ذلك إنما هو لنفسه لأنه هو الذي يسخط ربه جل وعلا، أن ضلاله ذلك إنما هو على نفسه. لأنه هو الذي يجني ثمرة عواقبه السيئة الوخيمة، فيخلد به في النار. وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة. كقوله
من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها
فصلت46 الآية، وقوله
من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
الروم40، وقوله
قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ومآ أنا عليكم بحفيظ
الأنعام104، وقوله
فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل
يونس108. والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وقد قدمنا طرفا منها في سورة " النحل ". قوله تعالى ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى. بل لا تحمل نفس إلا ذنبها. فقوله ﴿ ولا تزر ﴾ أي لا تحمل، من وزريزر إذا حمل. ومنه سمي وزير السلطان، لأنه يحمل أعباء تدبير شؤون الدولة. والوزر الإثم. يقال وزر يزر وزرا، إذا أثم. والوزر أيضا الثقل المثقل، أي لا تحمل نفس وازرة أي آثمة وزر نفس أخرى. أي إثمها، أو حملها الثقيل. بل لا تحمل إلا وزر نفسها. وهذا المعنى جاء في آيات أخر. كقوله
ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى
فاطر18، وقوله
ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم
الأنعام164 الآية، وقوله
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون
البقرة134، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة " النحل " بإيضاح أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
العنكبوت13 الآية، ولا قوله
ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم
النحل25 لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم، وأوزار إضلالهم غيرهم. لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا - كما تقدم مستوفى. تنبيه يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان الأول - ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من " أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " فيقال ما وجه تعذيبه ببكاء غيره. إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره؟ السؤال الثاني -إيجاب دية الخطأ على العاقلة.
فيقال ما وجه إلزام العاقلة الدية بجناية إنسان آخر؟. والجواب عن الأول - هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين الأول - أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه. كما قال طرفة بن العبد في معلقته
إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يابنة معبد
لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر. وذلك من فعله لا فعل غيره. الثاني - أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه. لأن إهماله نهيهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى
قوا أنفسكم وأهليكم نارا
التحريم6 فتعذيبه إذا بسبب تفريطه، وتركه ما أمر الله به من قوله ﴿ قوا أنفسكم ﴾ الآية - وهذا ظاهر كما ترى. وعن الثاني - بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل، ولكنها مواساة محضة أوجبها الله على عاقلة الجاني. لأن الجاني لم يقصد سوءا، ولا إثم عليه ألبتة - فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع، وأوجب المواساة فيها على العاقلة. ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه مواساة بعض خلقه. كما أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء. واعتقد من أوجب الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره - أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان. ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال " وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام. وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك. حتى جعل عمر الديوان. واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به. وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى. قوله تعالى ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله جل وعلا لا يعذب أحدا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة. حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار. وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى