17.78
قوله تعالى ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ الآية. قد بينا " في سورة النساء " أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي أشارت لأوقات الصلاة. لأن قوله ﴿ لدلوك الشمس ﴾ أي لزوالها على التحقيق، فيتناول وقت الظهر والعصر. بدليل الغاية في قوله ﴿ إلى غسق الليل ﴾ أي ظلامه، وذلك يشمل وقت المغرب والعشاء. وقوله ﴿ وقرآن الفجر ﴾ أي صلاة الصبح، كما تقدم إيضاحه وأشرنا للآيات المشيرة لأوقات الصلوات. كقوله
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل
هود114 الآية، وقوله
فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون
الروم17 الآية. وأتممنا بيان ذلك من السنة في الكلام على قوله
إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا
النساء103 فراجعه هناك إن شئت. والعلم عند الله تعالى.
17.81
الحق في لغة العرب الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل. والباطل هو الذاهب المضمحل. والمراد بالحق في هذه الآية هو ما في هذا القرآن العظيم والسنة النبوية من دين الإسلام. والمراد بالباطل فيها الشرك بالله، والمعاصي المخالفة لدين الإسلام. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الإسلام جاء ثابتا راسخا، وأن الشرك بالله زهق. أي ذهب واضمحل وزال. تقول العرب زهقت نفسه إذا خرجت وزالت من جسده. ثم بين جل وعلا أن الباطل كان زهوقا، أي مضمحلا غير ثابت في كل وقت. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. وذكر أن الحق يزيل الباطل ويذهبه. كقوله
قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جآء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد
سبأ48-49، وقوله
بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق
الأنبياء18 الآية. وقال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة أخرج ابن أبي شيبة، والبخاري ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن جرير وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ﴿ جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ﴾ الإسراء81
قل جآء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد
سبأ49. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر عن جابر رضي الله عنه قال دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها، وقال ﴿ جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ﴾. وأخرج الطبراني في الصغير، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنما. فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص. فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول ﴿ جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ﴾ حتى مر عليها كلها. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية وفي هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم. ويدخل المعنى كسر آلة الباطل كله وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله. قال ابن المنذر وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه، ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرا أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها.
قال المهلب وما كسر من الآت الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة. إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدم حرق ابن عمر رضي الله عنه. وقد هم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة وهذا أصل في العقوبة في المال.