تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.9

قوله تعالى ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدا برب العالمين جل وعلا - يهدي للتي هي أقوم. أي الطريق التي هي أسد وأعدل وأصوب. ف ﴿ التي ﴾ نعت لموصوف محذوف. على حد قول ابن مالك في الخلاصة

وما من المنعوت والنعت عقل يجوز حذفه وفي النعت يقل

وقال الزجاج والكلبي والفراء للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله. وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، لو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم. لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة. ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدى القرآن للطريق التي هي أقوم بيانا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة، تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإسلام، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة. فمن ذلك توحيد الله جل وعلا فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته، وفي عبادته، وفي أسمائه وصفاته. وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام الأول - توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال تعالى

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله

الزخرف87 الآية، وقال

قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون

يونس31 وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله

قال فرعون وما رب العالمين

الشعراء23 تجاهل من عارف أنه عبد مربوب. بدليل قوله تعالى

قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصآئر

الإسراء102 الآية، وقوله

وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا

النمل14 وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله. كما قال تعالى

وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون

يوسف106، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا. الثاني - توحيده جل وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى " لا إله إلا الله " وهي متركبة من نفي وإثبات. فمعنى النفي منها خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى الإثبات منها إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.

وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم

أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب

ص5. ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى

فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك

محمد صلى الله عليه وسلم19، وقوله

ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت

النحل 36

ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون

الأنبياء25، وقوله

واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون

الزخرف45، وقوله

قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون

الأنبياء108 فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول إنما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد. لشمول كلمة " لا إله إلا الله " لجميع ما جاء في الكتب. لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده. فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة. النوع الثالث - توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين الأول - تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم. كما قال تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٤٩