" إنهم إن حلفوا أيمان القسامة دفع القاتل برمته إليهم "
وهذا معناه القتل بالقسامة كما لا يخفى. ولم يثبت ما يعارض هذا. والقسامة أصل وردت به السنة، فلا يصح قياسه على غيره من رجم أو قطع. كما ذهب إليه أبو قلابة في كلامه المار آنفا. لأن القسامة أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه. شرع لحياة الناس وردع المعتدين، ولم تمكن فيه أولياء المقتول من أيمان القسامة إلا مع حصول لوث يغلب على الظن به صدقهم في ذلك. تنبيه اعلم - أن رواية سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم " لما سأل أولياء المقتول هل لهم بينة " وأخبروه بأنهم ليس لهم بينه قال " يحلفون " يعني اليهود المدعى عليهم، وليس فيها ذكر حلف أولياء المقتول أصلا - لا دليل فيها لمن نفى القود بالقسامة.
لأن سعيد بن عبيد وهم فيها، فأسقط من السياق تبدئة المدعين باليمين. لكونه لم يذكر في روايته رد اليمين. ورواه يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض الأيمان أولا على أولياء المقتول، فلما أبوا عرض عليهم رد الأيمان على المدعى عليهم. فاشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها. وقد ذكر البخاري رحمه الله رواية سعيد بن عبيد في باب القسامة، وذكر رواية يحيى بن سعيد في باب الموادعة والمصالحة مع المشركين وفيها " تحلفون وتستحقون قاتلكم " أو صاحبكم الحديث. والخطاب في قوله " تحلفون وتستحقون، لأولياء المقتول ". وجزم بما ذكرنا من تقديم رواية يحيى بن سعيد المذكورة على رواية سعيد بن عبيد - ابن حجر في الفتح وغير واحد. لأنها زيادة من ثقة حافظ لم يعارضها غيرها فيجب قبولها. كما هو مقرر في علم الحديث وعلم الأصول. وقال القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى
فقلنا اضربوه ببعضها
البقرة73 الآية وقد أسند حديث سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ المدعين يحيى بن سعيد، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، وعيسى بن حماد، وبشر بن المفضل. فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد. وقال مالك رحمه الله في الموطأ بعدأن ساق رواية يحيى بن سعيد المذكورة الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعته ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون اه محل الغرض منه. واعلم أن العلماء أجمعوا على أن القسامة يشترط لها لوث، ولكنهم اختلفوا في تعيين اللوث الذي تحلف معه أيمان القسامة. فذهب مالك رحمه الله إلى أنه أحد الأمرين الأول - أن يقول المقتول دمي عند فلان. وهل يكفي شاهد واحد على قوله ذلك، أو لا بد من اثنين؟ خلاف عندهم. والثاني - أن تشهد بذلك بينة لا يثبت بها القتل كاثنين غير عدلين. قال مالك في الموطأ الأمر المجتمع عليه عندنا والذي سمعته ممن أرضى في القسامة والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث - أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين إما أن يقول المقتول دمي عند فلان، أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعى عليه الدم. فهذا يوجب القسامة لمدعي الدم على من ادعوه عليه.
ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين - اه محل الغرض منه، هكذا قال في الموطأ، وستأتي زيادة عليه إن شاء الله. واعلم أن كثيرا من أهل العلم أنكروا على مالك رحمه الله إيجابه القسامة بقول المقتول قتلني فلان. قالوا هذا قتل مؤمن بالأيمان على دعوى مجردة. واحتج مالك رحمه الله بأمرين الأول - أن المعروف من طبع الناس عند حضور الموت الإنابة والتوبة والندم على ما سلف من العمل السيء. وقد دلت على ذلك آيات قرآنية. كقوله