تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد

ومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله

وإن يكونا مفردين فأضف حتما وإلا أتبع الذي ردف

لأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقلب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين المستلزم للتأويل، ومنع الإتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل - دليل على أن ذلك من أساليب اللغة العربية، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى تأويل كما ترى. وعلى هذا الوجه من التفسير - فالمعنى فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه، مظلما لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو. وجعلنا النهار مبصرا. أي تبصر فيه الأشياء وتستبان. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ وكل شيء فصلناه تفصيلا ﴾ الإسراء12 تقدم إيضاحه، والآيات الدالة عليه في سورة " النحل " في الكلام على قوله تعالى

ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء

النحل89 الآية.

17.13-14

في قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ﴿ وكل إنسان ألزمناه طآئره ﴾ وجهان معروفان من التفسير الأول - أن المراد بالطائر العمل من قولهم طار له سهم إذا خرج له. اي ألزمناه ما طار له من عمله. الثاني - أن المراد بالطائر ماسبق له في علم الله من شقاوة أوسعادة. والقولان متلازمان. لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة. فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم - أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال، وكلها حق، ويشهد له قرآن - فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من القرآن. لأنها كلها حق، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن. أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله - فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جدا. كقوله تعالى

ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به

النساء123 الآية، وقوله

إنما تجزون ما كنتم تعملون

الطور16، وقوله تعالى

يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه

الانشقاق6، وقوله

من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها

فصلت46، وقوله

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

الزلزلة7و8. والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. وأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة - فالآيات الدالة على ذلك أيضا كثيرة، كقوله

هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن

التغابن2، وقوله

ولذلك خلقهم

هود119 أي للاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم.وقوله

فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة

الأعراف30، وقوله

فريق في الجنة وفريق في السعير

الشورى7، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ في عنقه ﴾ أي جعلنا عمله أو ما سبق من شقاوة في عنقه. أي لازما له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه. ومنه قول العرب تقلدها طوق الحمامة. وقولهم الموت في الرقاب. وهذا الأمر ربقة في رقبته. ومنه قول الشاعر

اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامه

فالمعنى في ذلك كله اللزوم وعدم الانفكاك. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة مكتوبا في كتاب يلقاه منشورا، أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره. وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشورا في آيات أخر. فبين أن من صفاته أن المجرمين مشفقون أي خائفون مما فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضرا ليس منه شيء غائبا، وأن الله جل وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئا.

وذلك في قوله جل وعلا

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٧٣