تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17.61

قوله تعالى في هذه الآية عن إبليس ﴿ أأسجد لمن خلقت طينا ﴾ يدل فيه إنكار إبليس للسجود بهمزة الإنكار على إبائه واستكباره عن السجود لمخلوق من طين، وصرح بهذا الإباء والاستكبار في مواضع أخر. فصرح بهما معا " في البقرة " في قوله

إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين

البقرة34 وصرح بإبائه " في الحجر " بقوله

إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين

الحجر31، وباستكباره " في ص " بقوله

إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين

ص74 وبين سبب استكباره بقوله

قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

ص76 كما تقدم إيضاحه " في البقرة " وقوله ﴿ طينا ﴾ حال. أي لمن خلقته في حال كونه طينا. وتجويز الزمخشري كونه حالا من نفس الموصول غير ظاهر عندي. وقيل منصوب بنزع الخافض. أي من طين. وقيل تمييز، وهو أضعفها. والعلم عند الله تعالى.

17.62

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إبليس اللعين قال له ﴿ أرأيتك ﴾ أي أخبرني هذا الذي كرمته علي فأمرتني بالسجود له وهو آدم. أي لم كرمته علي وأنا خير منه! والكاف في ﴿ أرأيتك ﴾ حرف خطاب، وهذا مفعول به لأرأيت. والمعنى أخبرني. وقيل إن الكاف مفعول به، و " هذا " مبتدأ، وهو قول ضعيف. وقوله ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ قال ابن عباس لأستولين عليهم، وقاله الفراء. وقال مجاهد لأحتوينهم. وقال ابن زيد لأضلنهم. قال القرطبي والمعنى متقارب. أي لأستأصلنهم بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنهم. قال مقيدة عفا الله عنه الذي يظهر لي في معنى الآية - أن المراد بقوله ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ أي لأقودنهم إلى ما أشاء. من قول العرب احتنكت الفرس إذا جعلت الرسن في حنكه لتقوده حيث شئت. تقول العرب حنكت الفرس أحنكه من باب ضرب ونصر واحتنكته إذا جعلت فيه الرسن. لأن الرسن يكون على حنكه. وقول العرب احتنك الجراد الأرض أي أكل ما عليها من هذا القبيل. لأنه يأكل بأفواهه، والحنك حول الفم. هذا هو أصل الاستعمال في الظاهر. فالاشتقاق في المادة من الحنك، وإن كان يستعمل في الإهلاك مطلقا والاستئصال. كقول الراجز

أشكو إليك سنة قد أجحفت جهدا إلى جهد بنا وأضعفت واحتنكت أموالنا واجتلفت

وهذا الذي ذكر جل وعلا عن إبليس في هذه الآية من قوله ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ الآية، بينه أيضا في مواضع أخر من كتابه. كقوله

لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين

الأعراف16-17، وقوله

قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين

ص82، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه " في سورة النساء " وغيرها. وقوله في هذه الآية ﴿ إلا قليلا ﴾ بين المراد بهذا القليل في مواضع أخر. كقوله

ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين

الحجر39-40، وقوله

لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين

الحجر39-40 كما تقدم إيضاحه. وقول إبليس في هذه الآية. ﴿ لأحتنكن ذريته ﴾ الآية. قاله ظنا منه أنه سيقع وقد تحقق له هذا الظن. كما قال تعالى

ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين

سبأ20.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧٣٠