حدثنا محمد بن عبد الله الرزي، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديثهما. واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك، كله مقيد بمشيئة الله تعالى. كما نص على ذلك بقوله
من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد
الإسراء18 الآية. فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث. وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأشار له في " مراقي السعود " بقوله
وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب
17.22
الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا، لأنه صلى الله عليه وسلم معلوم أنه لا يجعل مع الله إلها آخر، وأنه لا يقعد مذموما مخذولا. ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو صلى الله عليه وسلم -.
17.23
قوله تعالى ﴿ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ﴾. لأن معنى قوله ﴿ إما يبلغن ﴾ الآية اي إن يبلغ عندك والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف. ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل. فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره صلى الله عليه وسلم. ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنسانا والمراد بالخطاب غيره. ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري
إياك أعني واسمعي يا جاره
وسبب هذا المثل أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبا. فأنزلته أخته وأكرمته، وكانت جميلة. فأعجبه جمالها، فقال مخاطبا لأخرى غيرها ليسمعها هي
يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حرة معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره
ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها
إني اقول يا فتى فزاره لا أبتغي الزوج ولا الدعاره ولا فراق أهل هذي الحاره فارحل إلى أهلك باستحاره
والظاهر أن قولها " باستحارة " أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما - أي ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي التي وقعت بيني وبينك، وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك! والهاء في " الاستحارة " عوض من العين الساقطة بالإعلال. كما هو معروف في فن الصرف. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله
لا تجعل مع الله إلها آخر
الإسراء22 ونحو ذلك من الآيات - متوجه إلى المكلف. ومن أساليب اللغة العربية إفراد الخطاب مع قصد التعميم. كقول طرفة بن العبد في معلقته
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقال الفراء، والكسائي، والزمخشري ومعنى قوله ﴿ فتقعد ﴾ أي تصير. وجعل الفراء منه قول الراجز
لا يقنع الجارية الخضاب ولا الوشاحان ولا الجلباب من دون أن تلتقي الأركاب ويقعد الأير له لعاب
أي يصير له لعاب. وحكى الكسائي قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها. بمعنى صار. قاله أبو حيان في البحر. ثم قال أيضا والقعود هنا عبارة عن المكث، أي فتمكث في الناس مذموما مخذولا. كما تقول لمن سأل عن حال شخص هو قاعد في أسوأ حال. ومعناه ماكث ومقيم. سواء كان قائما أم جالسا. وقد يراد القعود حقيقة. لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرا متفكرا، وعبر بغالب حاله وهو القعود. وقيل معنى
فتقعد
الإسراء22 فتعجز. والعرب تقول ما أقعدك عن المكارم اه محل الغرض من كلام أبي حيان. والمذموم هنا هو من يلحقه الذم من الله ومن القعلاء من الناس.