فحلفوا على الصهيبي فقتلوه. قال هشام فلم ينكر ذلك عروة، ورأى أن قد أصيب فيه الحق، وروينا فيه عن الزهري وربيعة. ويذكر عن ابن أبي مليكة عن عمر بن عبد العزيز وابن الزبير أنهما أقادا بالقسامة. ويذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه رجع عن ذلك وقال إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس. فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة انتهى كلام البيهقي رحمه الله. هذه هي أدلة من أوجب القود بالقسامة. وأما حجج من قال لا يجب بها إلا الدية - فمنها ما ثبت في بعض روايات حديث سهل المذكور عند مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب ".
قال النووي في شرح مسلم معناه إن ثبت القتل عليهم بقسامتكم فإما أن يدوا صاحبكم - أي يدفعوا إليكم ديته - وإما أن يعلمونا أنهم ممتنعون من التزام أحكامنا. فينتقض عهدهم، ويصيرون حربا لنا. وفيه دليل لمن يقول الواجب بالقسامة الدية دون القصاص اه كلام النووي، رحمه الله. ومنها ما ثبت في بعض روايات الحديث المذكور في صحيح البخاري وغيره
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أفتسحقون الدية بأيمان خمسين منكم "
قالوا هذه الرواية الثابتة في صحيح البخاري صريحة في أن المستحق بأيمان القسامة إنما هو الدية لا القصاص. ومن أدلتهم أيضا ما ذكره الحافظ في فتح الباري قال وتمسك من قال لا يجب فيها إلا الدية بما أخرجه الثوري في جامعه، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال وجد قتيل بين حيين من العرب فقال عمر قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فأحلفوهم خمسين يمينا، وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الشعبي أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيران ووادعة أن يقاس ما بين القريتين. فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليه منها خمسون رجلا حتى يوافوه في مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية. فقال " حقنتم بأيمانكم دماءكم، ولا يطل دم رجل مسلم ". قال الشافعي إنما أخذه الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث غير مقبول. انتهى. وله شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عند أحمد أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم " أن يقاس إلى أيهما أقرب فألقى ديته على الأقرب " ولكن سنده ضعيف. وقال عبد الرزاق في مصنفه قلت لعبد الله بن عمر العمري أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة؟ قال لا قلت فأبو بكر؟ قال لا. قلت فعمر؟ قال لا.
قلت فلم تجترؤون عليها؟ فسكت. وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن أن عمر قال في القسامة توجب العقل ولا تسقط الدم. انتهى كلام ابن حجر رحمه الله. فهذه هي أدلة من قال إن القسامة توجب الدية ولا توجب القصاص. وأما حجة من قال إن القسامة لا يلزم بها حكم - فهي أن الذين يحلفون أيمان القسامة إنما يحلفون على شيء لم يحضروه، ولم يعلموا أحق هو أم باطل، وحلف الإنسان على شيء لم يره دليل على أنه كاذب. قال البخاري في صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء من آل أبي قلابة، حدثني أبو قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال ما تقولون في القسامة؟ قال نقول القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس. فقلت يا أمير المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب! أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى لم يروه، أكنت ترجمه؟ قال لا. قلت أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال لا. قلت فو الله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط إلا في إحدى ثلاث خصال رجل قتل بجريرة نفسه فقتل أو رجل زنى بعد إحصان. أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام..إلى آخر حديثه. ومراد أبي قلابة واضح، وهو أنه كيف يقتل بأيمان قوم يحلفون على شيء لم يروه ولم يحضروه! هذا هو حاصل كلام أهل العلم في القود بالقسامة، وهذه حججهم. قال مقيدة عفا الله عنه أظهر الأقوال عندي دليلا - القود بالقسامة. لأن الرواية الصحيحة التي قدمنا فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال