وهذا مذهب الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية. وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. وروي عن عبد الملك بن مروان أنه ندم على قتله رجلا بالقسامة، ومحا أسماء الذين حلفوا أيمانهم من الديوان، وسيرهم إلى الشام. قاله البخاري في صحيحه. فإذا عرفت أقوال لهم أهل العلم في القسامة فدونك أدلتهم على أقوالهم في هذه المسألة أما الذين قالوا بالقصاص بالقسامة فاستدلوا على ذلك بما ثبت في بعض روايات حديث سهل بن أبي حثمة في صحيح مسلم وغيره
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قتل عبد الله بن سهل الأنصاري بخيبر، مخاطبا لأولياء المقتول " يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته.. "
الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم وغيره " فيدفع برمته " معناه أنه يسلم لهم ليقتلوه بصاحبهم. وهو نص صحيح صريح في القود بالقسامة. ومن أدلتهم على ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند النسائي الذي قدمناه قريبا. وقد قدمنا عن ابن حجر أنه قال فيه صحيح حسن. فقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه
" أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته "
صريح أيضا في القود بالقسامة. وادعاء أن معنى دفعه إليهم برمته أي ليأخذوا منه الدية - بعيد جدا كما ترى. ومن أدلتهم ما ثبت في رواية متفق عليها في حديث سهل المذكور
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأولياء المقتول " تحلفون خمسين يمينا وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم.. "
الحديث. قالوا فعلى أن الرواية " قاتلكم " فهي صريح في القود بالقسامة. وعلى أنها " صاحبكم " فهي محتملة لذلك احتمالا قويا. وأجيب من جهة المخالف بأن هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها للشك في اللفظ الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو فرضنا أن لفظ الحديث في نفس الأمر " صاحبكم " لا حتمل أن يكون المراد به المقتول، وأن المعنى تستحقون ديته. والاحتمال المساوي يبطل الاستدلال كما هو معروف في الأصول. لأن مساواة الاحتمالين يصير بها اللفظ مجملا، والمجمل يجب التوقف عنه حتى يرد دليل مبين للمراد منه. ومن أدلتهم ما جاء في رواية عند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" " تسمون قاتلكم تحلفون عليه خمسين يمينا ثم نسلمه ".
ومن أدلتهم ما جاء في رواية عند مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم "
قالوا معنى " دم صاحبكم " قتل القاتل.
وأجيب من جهة المخالف باحتمال أن المراد " بدم صاحبكم " الدية، وهو احتمال قوي أيضا. لأن العرب تطلق الدم علىالدية. ومنه قوله
أكلت دما إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
ومن أدلتهم ما رواه أبو داود في سننه حدثنا محمود بن خالد وكثير بن عبيد قالا حدثنا الوليد ح وحدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا الوليد عن أبي عمرو، عن عمرو بن شعيب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه قتل بالقسامة رجلا من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء على شط لية البحرة قال القاتل والمقتول منهم. وهذا لفظ محمود ببحرة أقامه محمود وحده على شط لية اه وانقطاع سند هذا الحديث واضح في قوله " عن عمرو بن شعيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كما ترى. وقد ساق البيهقي في السنن الكبرى حديث أبي داود هذا وقال هذا منقطع، ثم قال وروى أبو داود أيضا في المراسيل عن موسى بن إسماعيل، عن حماد عن قتادة، وعامر الأحول عن أبي المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقاد بالقسامة الطائف " وهو أيضا منقطع وروى البيهقي في سننه عن أبي الزناد قال أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، أن رجلا من الأنصار قتل وهو سكران رجلا ضربه بشويق، ولم يكن على ذلك بينة قاطعة إلا لطخ أو شبيه ذلك، وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا. فحلفوا خمسين يمينا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقسامة، ويرونها للذي يأتي به من اللطخ أو الشبهة أقوى مما يأتي به خصمه، ورأوا ذلك في الصهيبي حين قتله الحاطبيون وفي غيره. ورواه ابن وهب عن أبي الزناد وزاد فيه أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص إن كان ما ذكرنا له حقا أن يحلفنا على القاتل ثم يسلمه إلينا. وقال البيهقي في سننه أيضا أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد أن هشام بن عروة أخبره أن رجلا من آل حاطب بن أبي بلتعة كانت بينه وبين رجل من آل صهيب منازعة.. فذكر الحديث في قتله قال فركب يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك. فقضى بالقسامة على ستة نفر من آل حاطب، فثنى عليهم الأيمان، فطلب أل حاطب أن يحلفوا على اثنين ويقتلوهما. فأبى عبد الملك إلا أن يحلفوا على واحد فيقتلوه.