إن الحكم إلا لله
الأنعام57. ولما أراد أولاد علي رضي الله عنه أن يتشفوا منه فقطعت يداه ورجلاه لم يجزع، ولا فتر عن الذكر. ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله، وقرأ سورة
اقرأ باسم ربك
العلق1 إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه. ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا. فقيل له في ذلك؟ فقال إني أخاف أن أمكث فواقا لا أذكر الله اه ذكره ابن كثير وغيره. ولأجل هذا قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم - قبحه الله - في قتله أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوما فأحسبه أو في البرية عند الله ميزانا
وجزى الله خيرا الشاعر الذي يقول في الرد عليه
قل لابن ملجم والأقدار غالبة هدمت ويلك للإسلام أركانا قتلت أفضل من يمشي على قدم وأول الناس إسلاما وإيمانا وأعلم الناس بالقرآن ثم بما سن الرسول لنا شرعا وتبيانا صهر النبي ومولاه وناصره أضحت مناقبه نورا وبرهانا وكان منه على رغم الحسود له مكان هارون من موسى بن عمرانا ذكرت قاتله والدمع منحدر فقلت سبحان رب العرش سبحانا إني لأحسبه ما كان من بشر يخشى المعاد ولكن كان شيطانا أشقى مراد إذا عدت قبائلها وأخسر الناس عند الله ميزانا كعاقر الناقة الأولى التي جلبت على ثمود بأرض الحجر خسرانا قد كان يخبرهم أن سوف يخضبها قبل المنية أزمانا فأزمانا فلا عفا الله عنه ما تحمله ولا سقى قبر عمران بن حطانا لقوله في شقي ظل مجترما ونال ما ناله ظلما وعدوانا " يا ضربة من تقى ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا " بل ضربة من غوى أوردته لظى فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا كأنه لم يرد قصدا بضربته إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا
وبما ذكرنا - تعلم أن قتل الحسن بن علي رضي الله عنه لابن ملجم قبل بلوغ الصغار من أولاد علي يقوي حجة من قال بعدم انتظار بلوغ الصغير. وحجة من قال أيضا بكفره قوية للحديث الدال على أنه أشقى الآخرين. مقرونا بقاتل ناقة صالح المذكور في قوله
إذ انبعث أشقاها
الشمس12 وذلك يدل على كفره. والعلم عند الله تعالى. المسألة السابعة - اعلم أن هذا القتل ظلما، الذي جعل الله بسببه هذا السلطان والنصر المذكورين في هذه الآية الكريمة، التي هي قوله تعالى ﴿ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ الإسراء33 الآية، يثبت بواحد من ثلاثة أشياء اثنان منها متفق عليهما، وواحد مختلف فيه. أما الاثنان المتفق على ثبوته بهما فهما الإقرار بالقتل، والبينة الشاهدة عليه. وأما الثالث المختلف فيه فهو أيمان القسامة مع وجود اللوث، وهذه أدلة ذلك كله. أما الإقرار بالقتل - فقد دلت أدلة على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة به. قال البخاري في صحيحه " باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به " حدثني إسحاق، أخبرنا حبان، حدثنا همام، حدثنا قتادة حدثنا أنس بن مالك أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين. فقيل لها من فعل بك هذا؟ أفلان. أفلان؟ حتى سمي اليهودي. فأومأت براسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فرض رأسه بالحجارة. وقد قال همام بحجرين. وقد قال البخاري أيضا باب سؤال القاتل حتى يقر ثم ساق حديث أنس هذا وقال فيه فلم يزل به حتى أقر فرض رأسه بالحجارة. وهو دليل صحيح واضح على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة بإقرار القاتل. وحديث أنس هذا أخرجه أيضا مسلم، وأصحاب السنن، والإمام أحمد. ومن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب
" أن علقمة بن وائل حدثه أن أباه حدثه قال إني لقاعد مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال يا رسول الله، هذا قتل أخي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقتلته؟ " فقال إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة. قال نعم قتلته. قال " كيف قتلته؟ " قال كنت أنا وهو نختبط من شجرة. فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟ " قال ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال " فترى قومك يشترونك " قال أنا أهون عليهم من ذاك! فرمى إليه بنسعته وقال " دونك صاحبك.. "