تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحتج من قال إنه لا يلزم انتظار بلوغ الصبي ولا إفاقة المجنون المطبق بأمرين أحدهما - أن القصاص حق من حقوق القاصر، إلا أنه لما كان عاجزا عن النظر لنفسه كان غيره يتولى النظر في ذلك كسائر حقوقه فإن النظر فيها لغيره، ولا ينتظر بلوغه في جميع التصرف بالمصلحة في جميع حقوقه. وأولى من ينوب عنه في القصاص الورثة المشاركون له فيه. وهذا لا يرد عليه شيء من الأمور الأربعة التي ذكرها صاحب المغني. لأنه يقال فيه بموجبها فيقال فيه هو مستحق لكنه قاصر في الحال، فيعمل غيره بالمصلحة في حقه في القصاص كسائر حقوقه. ولا سيما شريكه الذي يتضرر بتعطيل حقه في القصاص إلى زمن بعيد. الأمر الثاني - أن الحسن بن علي رضي الله عنه قتل عبد الرحمن بن ملجم المرادي قصاصا بقتله عليا رضي الله عنه، وبعض أولاد علي إذ ذاك صغار، ولم ينتظر بقتله بلوغهم، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم. وقد فعل ذلك بأمر علي رضي الله عنه كما هو مشهور في كتب التاريخ. ولو كان انتظار بلوغ الصغير واجبا لانتظره. وأجيب عن هذا من قبل المخالفين بجوابين أحدهما - أن ابن ملجم كافر. لأنه مستحل دم علي، ومن استحل دم مثل علي رضي الله عنه فهو كافر. وإذا كان كافرا فلا حجة في قتله. الثاني - أنه ساع في الأرض بالفساد، فهو محارب، والمحارب إذا قتل وجب قتله على كل حال ولو عفا أولياء الدم كما قدمناه في سورة " المائدة " وإذن فلا داعي للانتظار. قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه قال بعض أصحابنا إنما استبد الحسن بن علي رضي الله عنهما بقتله قبل بلوغ الصغار من ولد علي رضي الله عنه. لأنه قتله حدا لكفره لا قصاصا. وقال ابن قدامة في " المغني " فأما ابن ملجم فقد قيل إنه قتله بكفره. لأنه قتل عليا مستحلا لدمه، معتقدا كفره، متقربا بذلك إلى الله تعالى. وقيل قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، وقتله متحتم، و هو إلى الإمام. والحسن هو الإمام، ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة. ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم وإن قدر أنه قتله قصاصا فقد اتفقنا على خلافه. فكيف يحتج به بعضنا على بعض. انتهى كلام صاحب المغني. وقال ابن كثير في تاريخه ما نصه قال العلماء ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي. فإنه كان صغيرا يوم قتل أبوه. قالوا لأنه كان قتل محاربة لا قصاصا. والله أعلم اه.

" واستدل القائلون بأن ابن ملجم كافر بالحديث الذي رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أشقى الأولين؟ " قلت عاقر الناقة. قال " صدقت. فمن أشقى الآخرين؟ " قلت لا علم لي يا رسول الله. قال " الذي يضربك على هذا - وأشار بيده على يافوخه - فيخضب هذه من هذه - يعني لحيته - من دم رأسه "

قال فكان يقول وددت أنه قد انبعث أشقاكم " وقد ساق طرق هذا الحديث ابن كثير رحمه الله في تاريخه، وابن عبد البر في " الاستيعاب " وغيرهما. قال مقيدة عفا الله عنه الذي عليه أهل التاريخ والأخبار - والله تعالى أعلم - أن قتل ابن ملجم كان قصاصا لقتله عليا رضي لله عنه. لا لكفر ولا حرابة. وعلي رضي الله عنه لم يحكم بكفر الخوارج. ولما سئل عنهم قال من الكفر فروا. فقد ذكر المؤرخون أن عليا رضي الله عنه أمرهم أن يحبسوا ابن ملجم ويحسنوا إساره، وأنه إن مات قتلوه به قصاصا، وإن حيي فهو ولي دمه. كما ذكره ابن جرير، وابن الأثير، وابن كثير وغيرهم في تواريخهم. وذكره البيهقي في سننه، وهو المعروف عند الإخباريين. ولا شك أن ابن ملجم متأول - قبحه الله - ولكنه تأويل بعيد فاسد، مورد صاحبه النار، ولما ضرب عليا رضي الله عنه قال الحكم لله يا علي، لا لك ولا لأصحابك! ومراده أن رضاه بتحكيم الحكمين أبي موسى، وعمرو بن العاص - كفر بالله لأن الحكم لله وحده. لقوله

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧٠٥