فثالث الأقوال هو مذهب المدونة أن لكل منهما القصاص ولا يصح العفو عنه لا باجتماع الجميع. أعني ولو عفا بعض هؤلاء، وبعض هؤلاء. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره ولكل القتل ولا عفو إلا باجتماعهم. يعني ولو بعض هؤلاء وبعض هؤلاء. قال مقيدة عفا الله عنه الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي في هذه المسألة أن الولي في هذه الآية هم الورثة ذكورا كانوا أو إناثا. ولا مانع من إطلاق الولي على الأنثى. لأن المراد جنس الولي الشامل لكل من انعقد بينه وبين غيره سبب يجعل كلا منهما يوالي الآخر. كقوله تعالى
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض
التوبة71، وقوله
وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض
الأنفال75 الآية. والدليل على شمول الولي في الآية للوارثات من النساء ولو بالزوجية - الحديث الوارد بذلك، قال أبو داود في سننه باب عفو النساء عن الدم حدثنا داود بن رشيد، ثنا الوليد عن الأوزاعي أنه سمع حصنا، أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
" على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة ".
قال أبو داود بلغني أن عفو النساء في القتل جائز إذا كانت إحدى الأولياء. وبلغني عن أبي عبيدة في قوله " ينحجزوا " يكفوا عن القود. وقال النسائي رحمه الله في سننه أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا الوليد عن الأوزاعي قال حدثني حصن قال حدثني أبو سلمة ح وأنبأنا الحسين بن حريث قال حدثنا الوليد قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني حصن أنه سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
" وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة "
اه. وهذا الإسناد مقارب. لأن رجاله صالحون للاحتجاج، إلا حصنا المذكور فيه ففيه كلام. فطبقته الأولى عند أبي داود هي داود بن رشيد الهاشمي مولاهم الخوارزمي نزيل بغداد وهو ثقة. وعند النسائي حسين بن حريث، وإسحاق بن إبراهيم. وحسين بن حريث الخزاعي مولاه أبو عمار المروزي ثقة. والطبقة الثانية عندهما هي الوليد بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، وهو من رجال البخاري ومسلم وباقي الجماعة. والطبقة الثالثة عندهما هي الإمام الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو عمر الأوزاعي، وهو الإمام الفقيه المشهور، ثقة جليل. والطبقة الرابعة عندهما هي حصن المذكور وهو ابن عبد الرحمن، أو ابن محصن التراغمي أبو حذيفة الدمشقي، قال فيه ابن حجر في " التقريب " مقبول. وقال فيه في " تهذيب التهذيب " قال الدارقطني شيخ يعتبر به، له عند أبي داود والنسائي حديث واحد
" على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة "
قلت وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان لا يعرف حاله اه وتوثيق ابن حبان له لم يعارضه شيء مانع من قبوله. لأن من اطلع على أنه ثقة حفظ ما لم يحفظه مدعي أنه مجهول لا يعرف حاله. وذكر ابن حجر في " تهذيب التهذيب " عن أبي حاتم ويعقوب بن سفيان أنهما قالا لا نعلم أحدا روى عنه غير الأوزاعي. والطبقة الخامسة عندهما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو ثقة مشهور. والطبقة السادسة عندهما عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد رأيت أن ابن حبان رحمه الله ذكر حصنا المذكور في الثقات. وأن بقية طبقات السند كلها صالح للاحتجاج. والعلم عند الله تعالى. تنبيه إذا كان بعض أولياء الدم صغيرا أو مجنونا، أو غائبا، فهل للبالغ الحاضر العاقل القصاص قبل قدوم الغائب، وبلوغ الصغير، وإفاقة المجنون؟ أو يجب انتظار قدوم الغائب، وبلوغ الصغير..! الخ. فإن عفا الغائب بعد قدومه، أو الصغير بعد بلوغه مثلا سقط القصاص ووجبت الدية. في ذلك خلاف مشهور بين أهل العلم. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه لا بد من انتظار بلوغ الصغير، وقدوم الغائب، وإفاقة المجنون. وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد. قال ابن قدامة وبهذا قال ابن شبرمة، والشافعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وعن أحمد رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه. وبه قال حماد، ومالك، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة اه محل الغرض من كلام صاحب المغني. وذكر صاحب المغني أيضا أنه لا يعلم خلافا في وجوب انتظار قدوم الغائب. ومنع استبداد الحاضر دونه. قال مقيدة عفا الله عنه إن كانت الغيبة قريبة فهو كما قال. وإن كانت بعيدة ففيه خلاف معروف عند المالكية. وظاهر المدونة الانتظار ولو بعدت غيبته. وقال بعض علماء المالكية منهم سحنون لا ينتظر بعيد الغيبة. وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره في مذهب مالك، الذي قال في ترجمته مبينا لما به الفتوى بقوله وانتظر غائب لم تبعد غيبته. لا مطبق وصغير لم يتوقف الثبوت عليه. وقال ابن قدامة في " المغني " ما نصه والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقا أربعة أمور أحدها - أنه لو كان منفردا لاستحقه. ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردا كولاية النكاح. والثاني - أنه لو بلغ لاستحق. ولو لم يكن مستحقا عند الموت لم يكن مستحقا بعده. كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه. والثالث - أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق، ولو لم يكن مستحقا للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي. والرابع - أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته، ولو لم يكن حقا لم يرثه كسائر ما لم يستحقه.