" من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وإما أن يقتل "
أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. لكن لفظ الترمذي
" إما أن تعفوا وإما أن يقتل "
ومعنى " يفدى " في بعض الروايات، " ويودى " في بعضها يأخذ الفداء بمعنى الدية. وقوله " يقتل " بالبناء للفاعل أي يقتل قاتل وليه. قالوا فهذا الحديث المتفق عليه نص في محل النزاع، مصرح بأن ولي المقتول مخير بين القصاص وأخذ الدية. وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء. وهذا الدليل قوي دلالة ومتنا كما ترى. واحتجوا أيضا بقوله تعالى
فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان
البقرة178. قالوا إن الله جل وعلا رتب الاتباع بالدية بالفاء على العفو في قوله ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ﴾ الآية. وذلك دليل واضح على أنه بمجرد العفو تلزم الدية، وهو دليل قرآني قوي أيضا. واحتج بعض العلماء للمخالفين في هذا. كمالك وأبي حنيفة رحمهما الله بأدلة. منها ما قاله الطحاوي وهو أن الحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النبي صلى الله عليه وسلم.
" كتاب الله قصاص "
فإنه حكم بالقصاص ولم يخير. ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم. إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما. فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله
" فهو بخير النظرين "
أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية اه. وتعقب ابن حجر في " فتح الباري " احتجاج الطحاوي هذا بما نصه وتعقب بأنه قوله صلى الله عليه وسلم
" كتاب الله القصاص "
إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود.
فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني إذا طلب القود أجيب إليه. وليس فيما ادعاه من تأخير البيان. الثاني - ما ذكره الطحاوي أيضا من أنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل رضيت أن تعطيني كذا على ألا أقتلك - أن القاتل لا يجبر على ذلك. ولا يؤخذ منه كرها، وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه. الثالث - أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور
" فهو بخير النظرين.. "
الحديث جار مجرى الغالب فلا مفهوم مخالفة له. وقد تقرر في الأصول أن النص إذا جرى علىالغالب لا يكون له مفهوم مخالفة لاحتمال قصد نفس الأغلبية دون قصد إخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى
وربائبكم اللاتي في حجوركم
النساء23 الآية. لجريه على الغالب، وقد ذكرنا هذه المسألة في هذا الكتاب المبارك مرارا. وإيضاح ذلك في الحديث - أن مفهوم قوله
" فهو بخير النظرين "
أن الجاني لو امتنع من قبول الدية وقدم نفسه للقتل ممتنعا من إعطاء الدية - أنه يجبر على إعطائها. لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ولي المقتول بينهما. والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفتدى بماله من القتل. وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم مخالفته كما ذكره أهل الأصول، وعقده في " مراقي السعود " بقوله في موانع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة
أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جري على الذي غلب
ومحل الشاهد قوله " أو جري على الذي غلب " إلى غير ذلك من الأدلة التي احتجوا بها. قال مقيده عفا الله عنه الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن ولي المقتول هوالمخير بين الأمرين، فلو أراد الدية وامتنع الجاني فله إجباره على دفعها. لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك، ودلالة الآية المتقدمة عليه، ولأن الله يقول
ولا تقتلوا أنفسكم
النساء29 الآية، ويقول
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
البقرة195. ومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صونا لماله للوارث - أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب، ويجبره على صون دمه بماله. وما احتج به الطحاوي من الإجماع على أنه لو قال له أعطني كذا على ألا أقتلك لا يجبر على ذلك - يجاب عنه بأنه لو قال أعطني الدية المقررة في قتل العمد فإنه يجبر على ذلك. لنص الحديث، والآية المذكورين. ولو قال له أعطني كذا غير الدية لم يجبر. لأنه طلب غير الشيء الذي أوجبه الشارع، والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة - جمهور العلماء على أن القتل له ثلاث حالات الأولى العمد، وهو الذي فيه السلطان المذكور في الآية كما قدمنا.