ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا
الكهف49. وبين في موضع آخر أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم. وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابا يسيرا، ويرجع إلى أهله مسرورا، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية. قال تعالى
فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا
الانشقاق7-9، وقال تعالى
فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية
الحاقة19-23. وبين في موضع آخر أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعا. وذلك في قوله
وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يليتها كانت القاضية مآ أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه
الحاقة25-32 أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار، ومما قرب إليها من قوله وعمل. وبين في موضع آخر أن من أوتي كتابي وراء ظهره يصلى السعير، ويدعو الثبور. وذلك في قوله
وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا
الانشقاق10-12، وقوله تعالى
اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
الإسراء14 يعني أن نفسه تعلم أنه لم يظلم، ولم يكتب عليه إلا ما عمل. لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره. كما قال تعالى
ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر
القيامة13. وقد بين تعالى في مواضع أخر أنه إن أنكر شيئا من عمله شهدت عليه جوارحه. كقوله تعالى
اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون
يس65، وقوله
وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين
فصلت31-32، وقوله جل وعلا
بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره
القيامة14-15، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة القيامة. تنبيه لفظة " كفى " تستعمل في القرآن واللغة العربية استعمالين تستعمل متعدية، وهي تتعدى غالبا إلى مفعولين، وفاعل هذه المتعدية لا يجر بالباء.
كقوله
وكفى الله المؤمنين القتال
الأحزاب25، وكقوله
أليس الله بكاف عبده
الزمر36 الآية، وقوله
فسيكفيكهم الله
البقرة137 الآية، ونحو ذلك من الآيات. وتستعمل لازمة، ويطرد جر فاعلها بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية. كقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ﴾ الإسراء14، وقوله تعالى
وكفى بالله وكيلا
الأحزاب3و48، وقوله
وكفى بالله حسيبا
النساء6 ونحو ذلك. ويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء. وزعم بعض علماء العربية أن جر فاعلها بالباء لازم. والحق أنه يجوز عدم جره بها، ومنه قول الشاعر
عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
وقول الآخر
ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا
وعلى قراءة من قرأ ﴿ يلقاه ﴾ بضم الياء وتشديد القاف مبنيا للمفعول - فالمعنى أن الله يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة. فحذف الفاعل فبني الفعل للمفعول. وقراءة من قرأ ﴿ يخرج ﴾ بفتح الياء وضم الراء مضارع خرج مبنيا للفاعل - فالفاعل ضمير يعود إلى الطائر بمعنى العمل وقوله ﴿ كتابا ﴾ حال من ضمير الفاعل. أي ويوم القيامة يخرج هو أي العمل المعبر عنه بالطائر في حال كونه كتابا منشورا. وكذلك على قراءة ﴿ يخرج ﴾ بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول، فالضمير النائب عن الفاعل راجع أيضا إلى الطائر الذي هو العمل. أي يخرج له هو أي طائره بمعنى عمله، في حال كونه كتابا. وعلى قراءة " يخرج " بضم الياء وكسر الراء مبنيا للفاعل، فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، وقوله ﴿ كتابا ﴾ مفعول به. أي ويوم القيامة يخرج هو أي الله له كتابا يلقاه منشورا. وعلى قراءة الجمهور منهم السبعة - فالنون في ﴿ نخرج ﴾ نون العظمة لمطابقة قوله ﴿ ألزمناه ﴾ و ﴿ كتابا ﴾ مفعول به لنخرج كما هو واضح. والعلم عند الله تعالى.