رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
النساء165 فصرح في هذه الآية الكريمة بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم النار. وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين. بينها في آخر سورة طه بقوله
ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى
طه134. وأشار لها في سورة القصص بقوله
ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين
القصص47، وقوله جل وعلا
ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون
الأنعام131، وقوله
يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير
المائدة19 الآية، وكقوله
وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم فقد جآءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة
الأنعام155-157 الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جل وعلا لا يعذب أحدا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام - تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة " بأنه لم يدخل أحدا النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل. فمن ذلك قوله جل وعلا
كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء
الملك8-9 الآية. ومعلوم أن قوله جل وعلا
كلما ألقي فيها فوج
الملك8 يعم جميع الأفواج الملقين في النار. قال أبو حيان في " البحر المحيط " في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه " وكلما " تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين. ومن ذلك قوله جل وعلا
وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين
الزمر71، وقوله في هذه الآية ﴿ وسيق الذين كفروا ﴾ عام لجميع الكفار. وقد تقرر في الأصول أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم. لعمومها في كل ما تشمله صلاتها، وعقده في مراقي السعود بقوله في صيغ العموم.
صيغة كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع
ومراده بالبيت أن لفظة " كل، وجميع، والذي، والتي " وفروعهما كل ذلك من صيغ العموم. فقوله تعالى ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ﴾ إلى قوله ﴿ قالوا بلى ﴾ عام في جميع الكفار. وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. فعصوا أمر ربهم كما هو واضح. ونظيره أيضا قوله تعالى
والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير
فاطر36-37. فقوله ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم ﴾ إلى قوله ﴿ وجاءكم النذير ﴾ عام أيضا في جميع أهل النار. كما تقدم إيضاحه قريبا. ونظير ذلك قوله تعالى
وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال
غافر49-50، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا. وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر. وبهذا قالت جماعة أهل العلم. وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى