يونس5. وقوله جل وعلا
يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج
البقرة189، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ﴿ فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة ﴾ الإسراء12 فيه وجهان من التفسير للعلماء أحدهما - أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار، أي الشمس والقمر آيتين. وعلى هذا القول - فآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس. والمحو الطمس. وعلى هذا القول - فمحو آية الليل قيل معناه السواد الذي في القمر. وبهذا قال علي رضي الله عنه، ومجاهد، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل معنى ﴿ فمحونآ آية الليل ﴾ الإسراء12 أي لم نجعل في القمر شعاعا كشعاع الشمس ترى به الأشياء رؤية بينة. فنقص نور القمر عن نور الشمس هو معنى الطمس على هذا القول. وهذا أظهر عندي لمقابلته تعالى له بقوله ﴿ وجعلنآ آية النهار مبصرة ﴾ الإسراء12 والقول بأن معنى محو آية الليل السواد الذي في القمر ليس بظاهر عندي وإن قال به بعض الصحابة الكرام، وبعض أجلاء أهل العلم! وقوله ﴿ وجعلنآ آية النهار ﴾ على التفسير المذكور أي الشمس ﴿ مبصرة ﴾ أي ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء على حقيقته. قال الكسائي هو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها - نقله عنه القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه هذا التفسير من قبيل قولهم نهاره صائم، وليله قائم. ومنه قوله
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المحب بنائم
وغاية ما في الوجه المذكور من التفسير حذف مضاف، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب إن دلت عليه قرينة. قال في الخلاصة
وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الإعراب إذا ما حذفا
والقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله ﴿ فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة ﴾ الإسراء12 فإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما أنفسهما.
وحذف المضاف كثيرة في القرآن كقوله
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها
يوسف82، وقوله
حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت
النساء23 أي نكاحها وقوله
حرمت عليكم الميتة
المائدة3 أي أكلها، ونحو ذلك. وعلى القول بتقدير المضاف، وأن المراد بالآيتين الشمس والقمر - فالآيات الموضحة لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت موضحة في سورة النحل. الوجه الثاني من التفسير - أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس والقمر. وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، تنزيلا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى. وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. فمنه في القرآن قوله تعالى
شهر رمضان
البقرة185 الآية، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله
ولدار الآخرة
يوسف109 الآية، والدار هي الآخرة بعينها. بدليل قوله في موضع آخر
وللدار الآخرة
الأنعام32 بالتعريف، والآخرة نعت للدار. وقوله
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
ق16 والحبل هو الوريد، وقوله
ومكر السيىء
فاطر43 الآية، والمكر هو السيء بدليل قوله
ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله
فاطر43. ومن أمثلته في كلام العرب قول امرىء القيس
كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل
لأن المقاناة هي البكر بعينها، وقول عنترة في معلقته
ومشك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
لأن مراده بالمشك السابغة بعينها. بدليل قوله هتكت فروجها. لأن الضمير عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة فاطر. وبينا أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية. لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي. لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي كلام العرب. وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن. وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة