تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا

الأحزاب10-11 كان علاج ذلك هو ما ذكرنا. فانظر شدة هذا الحصار العسكري وقوة أثره في المسلمين، مع أن جميع أهل الأرض في ذلك الوقت مقاطعوهم سياسة واقتصادا. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن العلاج الذي قابلوا به هذا الأمر العظيم، وحلوا به هذه المشكلة العظمى، وهو ما بينه جل وعلا في سورة الأحزاب بقوله

ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما

الأحزاب22. فهذا الإيمان الكامل، وهذا التسليم العظيم لله جل وعلا، ثقة به، وتوكلا عليه، هو سبب حل هذه المشكلة العظمى. وقد صرح الله تعالى بنتيجة هذا العلاج بقوله تعالى

ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا

الأحزاب25-27. وهذا الذي نصرهم الله به على عدوهم ما كانوا يظنونه، ولا يحسبون أنهم ينصرون به وهو الملائكة والريح. قال تعالى

يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها

الأحزاب9 ولما علم جل وعلا من أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل، ونوه عن إخلاصهم بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله

لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم

الفتح18 أي من الإيمان والإخلاص - كان من نتائج ذلك ما ذكره الله جل وعلا في قوله

وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا

الفتح21 فصرح جل وعلا في هذه الآية بأنهم لم يقدروا عليها، وأن الله جل وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها، وذلك من نتائج قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم. فدلت الآية على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به، هو السبب لقدرة الضعيف على القوي وغلبته له

كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين

البقرة249، وقوله تعالى في هذه الآية ﴿ لم تقدروا عليها ﴾ فعل في سياق النفي، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق، كما تقرر في الأصول. ووجهه ظاهر. لأن الفعل الصناعي " أعني الذي يسمى في الاصطلاح فعل الأمر أو الفعل الماضي أو الفعل المضارع " ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله

المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن

وعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهذا هو الظاهر كما حرره بعض البلاغيين، في بحث الاستعارة التبعية. فالمصدر إذن كامن في مفهوم الفعل إجماعا. فيتسلط النفي الداخل على الفعل على المصدر الكامن في مفهومه، وهو في المعنى نكرة. إذ ليس له سبب يجعله معرفة، فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم. فقوله ﴿ لم تقدروا عليها ﴾ في معنى لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع أنواع القدرة. لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد الداخلة تحت العنوان. كما هو معروف في محله. وبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة عليها مسلوب عنهم، ولكن الله جل وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها. لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم

وإن جندنا لهم الغالبون

الصافات173. المشكلة الثانية هي تسليط الكفارعلى المؤمنين بالقتل والجراح وأنواع الإيذاء - مع أن المسلمين على الحق.

والكفار على الباطل. وهذه المشكلة استشكلها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فأفتى الله جل وعلا فيها، وبين السبب في ذلك بفتوى سماوية تتلى في كتابه جل وعلا. وذلك أنه لما وقع ما وقع بالمسلمين يوم أحد فقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته، ومثل بهما، وقتل غيرهما من المهاجرين، وقتل سبعون رجلا من الأنصار، وجرح صلى الله عليه وسلم، وشقت شفته، وكسرت رباعيته، وشج صلى الله عليه وسلم. استشكل المسلمون ذلك وقالوا كيف يدال منا المشركون؟ ونحن على الحق وهم على الباطل؟! فأنزل الله قوله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٦٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٦٦٨