" ليسوا بشيء "
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه فمن قال إنه ينزل الغيث غدا. وجزم به فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا، وكذلك من قال إنه يعلم ما في الرحم فإنه كافر، فإن لم يجزم، وقال إن النوء ينزل به الماء عادة، وإنه سبب الماء عادة، وإنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيها بكلمة اهل الكفر وجهلا بلطيف حكمته، لأنه ينزل متى شاء مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء. قال الله تعالى " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب " على ما يأتي بيانه في الواقعة إن شاء الله تعالى. قال ابن العربي وكذلك قول الطبيب إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة، فهو ذكر، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة لا واجبا في الخلقة لم يكفر، ولم يفسق. وأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن المجملة، أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضا.
فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر، فقد قال علماؤنا يؤدب ولا يسجن، أما عدم كفره فلأن جماعة قالوا إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل حسبما أخبر الله عنه من قوله
والقمر قدرناه منازل
يس 39. وأما أدبهم، فلأنهم يدخلون الشك على العامة، إذ لا يدرون الفرق بين هذا وغيره فيشوشون عقائدهم، ويتركون قواعدهم في اليقين، فأدبوا حتى يستروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به. قلت ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة "
، والعراف هو الحازي والمنجم الذي يدعي علم الغيب، وهي العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها. وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالرجز والطرق والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة، قاله القاضي عياض. والكهانة ادعاء علم الغيب. قال أبو عمر بن عبد البر في الكافي من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا، ومهور البغايا، والسحت، والرشا، وأخذ الأجرة على النياحة، والغناء، وعلى الكهانة، وادعاء الغيب، وأخبار السماء، وعلى الزمر واللعب والباطل كله. اه من القرطبي بلفظه، وقد رأيت تعريفه للعراف والكاهن. وقال البغوي العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة ونحو ذلك، وقال أبو العباس بن تيمية العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق. والمراد بالطرق قيل الخط الذي يدعي به الإطلاع على الغيب، وقيل إنه الضرب بالحصى الذي يفعله النساء، والزجر هو العيافة، وهي التشاؤم والتيامن بالطير، وادعاء معرفة الأمور من كيفية طيرانها ومواقعها وأسمائها وألوانها وجهاتها التي تطير إليها. ومنه قول علقمة بن عبدة التميمي
ومن تعرض للغربان يزجرها على سلامته لا بد مشؤوم
وكان أشد العرب عيافة بنو لهب حتى قال فيهم الشاعر
خبير بنو لهب فلا تك ملغيا مقالة لهبي إذا الطير مرت
وإليه الإشارة بقول ناظم عمود النسب
في مدلج بن بكر القيافة كما للهب كانت العيافة
ولقد صدق من قال
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
ووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الإطلاع على الغيب أنه ادعى لنفسه ما استأثر الله تعالى به دون خلقه، وكذب القرآن الوارد بذلك كقوله
قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله
النمل 65، وقوله هنا ﴿ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ﴾ ونحو ذلك. وعن الشيخ أبي عمران من علماء المالكية أن حلوان الكاهن لا يحل له، ولا يرد لمن أعطاه له، بل يكون للمسلمين في نظائر نظمها بعض علماء المالكية بقوله