تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر "

وفي إسناده حنش بن قيس وهو ضعيف. ومما يدل على ذلك أيضا ما قاله الترمذي، في آخر سننه في كتاب العلل منه، ولفظه جميع ما في كتابي هذا من الحديث معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين. حديث ابن عباس

" أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا سفر "

إلخ. وبه تعلم أن الترمذي يقول إنه لم يذهب أحد من أهل العلم إلى العمل بهذا الحديث في جمع التقديم أو التأخير، فلم يبق إلا الجمع الصوري، فيتعين. قال مقيدة - عفا الله عنه - روي عن جماعة من أهل العلم أنهم أجازوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة، منهم ابن سيرين، وربيعة، وأشهب وابن المنذر، والقفال الكبير. وحكاه الخطابي، عن جماعة من أصحاب الحديث. قاله ابن حجر، وغيره وحجتهم ما تقدم في الحديث من قوله " لئلا تحرج أمتي " وقد عرفت مما سبق أن الأدلة تعين حمل ذلك على الجمع الصوري، كما ذكر، والعلم عند الله تعالى. تنبيه قد اتضح من هذه الأدلة التي سقناها، أن الظهر لا يمتد لها وقت إلى الغروب، وأن المغرب لا يمتد لها وقت إلى الفجر، ولكن يتعين حمل هذا الوقت المنفي بالأدلة على الوقت الاختياري، فلا ينافي امتداد وقت الظهر الضروري إلى الغروب، وقت المغرب الضروري إلى الفجر، كما قاله مالك - رحمه الله - لقيام الأدلة على اشتراك الظهر والعصر في الوقت عند الضرورة، وكذلك المغرب والعشاء، وأوضح دليل على ذلك جواز كل من جمع التقديم، وجمع التأخير في السفر، فصلاة العصر مع الظهر عند زوال الشمس دليل على اشتراكها مع الظهر في وقتها عند الضرورة، وصلاة الظهر بعد خروج وقتها في وقت العصر في جمع التأخير دليل على اشتراكها معها في وقتها عند الضرورة أيضا، وكذلك المغرب والعشاء، أما جمع التأخير بحيث يصلي الظهر في وقت العصر والمغرب في وقت العشاء، فهو ثابت في الروايات المتفق عليها.

فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال

" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما ".

قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث. قوله ثم يجمع بينهما أي في وقت العصر، وفي رواية قتيبة عن المفضل في الباب الذي بعده " ثم نزل فجمع بينهما " ولمسلم من رواية جابر بن إسماعيل، عن عقيل

" يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق "

وله من رواية شبابة، عن عقيل " حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما " اه. منه بلفظه. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم

" كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء "

ولا يمكن حمل هذا الجمع على الجمع الصوري. لأن الروايات الصحيحة التي ذكرنا آنفا فيها التصريح بأنه صلى الظهر في وقت العصر، والمغرب بعد غيبوبة الشفق. وقال البيهقي في السنن الكبرى اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، وعبيدالله بن عمر، وأيوب السختياني، وعمر بن محمد بن زيد، عن نافع، على أن جمع ابن عمر بين الصلاتين كان بعد غيبوبة الشفق، وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ أحاديث نافع، ثم قال بعد هذا بقليل، ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب، فقد رواه سالم بن عبدالله، وأسلم مولى عمر وعبدالله بن دينار، وإسماعيل بن عبدالرحمن بن أبي ذؤيب، وقيل ابن ذؤيب عن ابن عمر نحو روايتهم، ثم ساق البيهقي أسانيد روايتهم. وأما جمع التقديم بحيث يصلي العصر عند زوال الشمس مع الظهر في أول وقتها، والعشاء مع المغرب عند غروب الشمس في أول وقتها، فهو ثابت أيضا عنه صلى الله عليه وسلم وإن أنكره من أنكره العلماء، وحاول تضعيف أحاديثه، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحاديث منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل في الحج

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٨١