منه بلفظه. وهذا هو انتهاء وقتها الاختياري. وأما الروايات الدالة على امتداد وقتها إلى الغروب، فهي في حق أهل الأعذار كحائض تطهر، وكافر يسلم، وصبي يبلغ، ومجنون يفيق، ونائم يستيقظ، ومريض يبرأ، ويدل لهذا الجمع ما رواه الإمام أحمد ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
" تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليلا "
ففي الحديث دليل على عدم جواز تأخير صلاة العصر إلى الاصفرار فما بعده بلا عذر، وأول وقت صلاة المغرب غروب الشمس أي غيبوبة قرصها بإجماع المسلمين، وفي حديث جابر وابن عباس في إمامة جبريل " فصلى المغرب حين وجبت الشمس " ، وفي حديث سلمة بن الكوع - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب ". أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع إلا النسائي، والأحاديث بذلك كثيرة، واختلف في آخر وقتها أعني المغرب، فقال بعض العلماء ليس لها إلا وقت واحد وهو قدر ما تصلي فيه من أول وقتها مع مراعاة الإتيان بشروطها، وبه قال الشافعي وهو مشهور مذهب مالك، وحجة أهل هذا القول أن جبريل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية في وقت صلاته لها في الأولى، قالوا فلو كان لها وقت آخر لأخرها في الثانية إليه كما فعل في جميع الصلوات غيرها. والتحقيق أن وقت المغرب يمتد ما لم يغب الشفق. فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
" ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق "
الحديث والمراد بثور الشفق ثوراته وانتشاره ومعظمه، وفي القاموس أنه حمرة الشفق الثائرة فيه، وفي حديث أبي موسى المتقدم عند أحمد ومسلم وحديث بريدة المتقدم عند أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربع ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وفي لفظ " فصلى المغرب قبل سقوط الشفق " ، والجواب عن أحاديث إمامة جبريل حيث صلى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه الأول أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز وهذا جار في كل الصلوات ما سوى الظهر. والثاني أنه متقدم في أول الأمر بمكة وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب إلى غروب الشفق متأخرة في آخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها.
والثالث أن هذه الأحاديث أصح إسنادا من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها قاله الشوكاني - رحمه الله - ولا خلاف بين العلماء في أفضلية تقديم صلاة المغرب عند أول وقتها ومذهب الإمام مالك - رحمه الله - امتداد الوقت الضروري للمغرب بالاشتراك مع العشاء إلى الفجر. وقال البيهقي في السنن الكبرى روينا عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف في المرأة تطهر قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، والظاهر أن حجة هذا القول بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى طلوع الفجر كما هو مذهب مالك ما ثبت في الصحيح أيضا من أنه صلى الله عليه وسلم " جمع بين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر " ، فقد روى الشيخان في صحيحهما عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
" أن النبي صلى الله عليه وسلم " صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء "
ومعناه أنه يصلي السبع جميعا في وقت واحد والثماني كذلك كما بينته رواية البخاري في باب وقت المغرب عن ابن عباس قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم " سبعا جميعا وثمانيا جميعا ". وفي لفظ لمسلم وأحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه " جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس ما أراد بذلك؟ قال أراد ألا يحرج أمته، وبه تعلم أن قول مالك في الموطأ لعل ذلك لعلة المطر غير صحيح. وفي لفظ أكثر الروايات من غير خوف ولا سفر. وقد قدمنا أن هذا الجمع يجب حمله على الجمع الصوري لما تقرر في الأصول من أن الجمع واجب إذا أمكن، وبهذا الحمل تنتظم الأحاديث ولا يكون بينها خلاف ومما يدل على أن الحمل المذكور متعين، ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ " صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء " فهذا ابن عباس راوي حديث الجمع قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري فرواية النسائي هذه صريحة في محل النزاع مبينة للإجمال الواقع في الجمع المذكور. وقد تقرر في الأصول أن البيان بما سنده دون سند المبين جائز عند جماهير الأصوليين، وكذلك المحدثون وأشار إليه في مراقي السعود بقوله في مبحث البيان.