الإسلام وأصول الحكم
كان صاحب هذه المجلة أول من قام بفريضة تفنيد ما أودع في كتاب
(الإسلام وأصول الحكم) من الكفر والضلال، وتحليل الحرام وتحريم الحلال،
ومنع الحكم بما أنزل الله، وإباحة حكم الطاغوت، وكان أول من دعا علماء
الأزهر إلى رفع أصواتهم بالإنكار له والرد عليه، قبل أن تصل أيدي أكثرهم إليه،
ومن ذلك ما رآه القراء في مقالة الجزء الماضي، وكنا نشرناها قبله في جريدة
اللواء والأخبار، وقد أرسل إلينا طائفة منهم صورة عريضة في ذلك رفعوها إلى
فضيلة شيخ الأزهر وإلى بعض المقامات العالية، ووزعوا نسخا منها على الصحف،
وهذا نصها:
عريضة مقدمة من علماء الأزهر
حضرة صاحب الفضيلة
السلام عليكم ورحمة الله
نحن الموقعين على هذا نرفع إلى فضيلتكم ما يأتي:
يا صاحب.. .، نص قانون الأزهر أن الغرض من وجود الأزهر وسائر
المعاهد العلمية الدينية هو حراسة الدين وتخريج رجال أكفاء يقومون بوظائف
الشريعة وإرشاد الأمة، ونص كذلك أن شيخ الأزهر الشريف هو صاحب الرياسة
العامة على كل المنتسبين إلى الدين من وجهة سيرهم الشخصي فيما يلائم صفتهم
الدينية.
ونص قانون الدولة أن دين الدولة المصرية هو الدين الإسلامي، واعترفت
سائر القوانين الأجنبية بحرمة الأديان ومعاقبة الطاعن عليها، هذا من الجهة
القانونية.
ثم من الوجهة الشرعية لا نعلم فائدة للعلم الديني، ولا لعلماء الدين، ولا
للأزهر الشريف منذ نشأته إلى الآن إلا القيام بحراسة الدين ودراسة العلوم النافعة
في تأييده، والدفاع عنه بكل الوسائل المشروعة، ونشر هدي الشريعة السمحة
الغراء بين المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الإلحاد
والزندقة وسوء الأخلاق والمعاملة، ودراسة الشبهات والرد عليها، وغير ذلك من كل
ما تقتضيه خدمة الإسلام، ويحبب إلى الناس الآخرين الانتظام في هداه، تلك هي
وظيفة العلماء منذ كان الإسلام، وذلك هو واجبهم الشرعي كالصلاة والصيام، الذي
لا يخرجون عند الله من عهدته ما لم يقوموا به حق القيام.
فهل يجوز ونحن الآن في عهد يوالي حضرة صاحب الجلالة الملك الأزهر
وعلماءه بما يتفق وكرامتهم، ويغنيهم عن الشغل بوسائل العيش؛ لأجل أن ينقطعوا
لواجبهم العلمي الديني.
وهل يجوز ونحن الآن من الكثرة بما لم يبلغه الأزهر في تاريخه من عدد
العلماء؟
وهل يجوز ونحن الآن من تيسير دواوين الشريعة وأمهات الكتب الدينية
وكثرتها بواسطة المطبوعات بما لم يبلغه عصر قبل؟
فهل يجوز مع هذه الاعتبارات أن يكون هذا العصر في الإلحاد والجهل
بالشريعة والمجاهرة بمحاربتها، وانتشار الدعاية كل يوم في الجرائد وسائر
المطبوعات ضدها، ممن هم من سلالة المسلمين أكثر من كل عصر مضى، ولا
يوجد من يدفع هذه الهجمات، ولا يذود عن بيضة الدين خصما واحدا، بينما نحن
نتمتع باسم الدين بهذه الميزات الكبرى، وبينما نحن من الكثرة بحيث نملأ القرى
والبلدان؟ فماذا هو العذر لنا في ذلك أمام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها،
وأمام حضرة صاحب الجلالة الملك الذي يوالي دائما إيقاظنا بجميع صنوف الرعاية؟
بل ماذا العذر لنا أمام الله سبحانه وتعالى وأمام رسوله صلى الله عليه وسلم
يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا ولد؟ فهل نعتذر بأن نظم الدراسة وشئون الطلبة
ومصلحة التعليم البحتة استغرقت أعمارنا، واستنفدت هممنا حتى صرفنا بها عما
وجدنا نحن ومعاهدنا من أجله؟
هل كان الأزهر قبل أربعين سنة من إهمال الدين وانصراف أهله عن نشره
في الأمة والدفاع عنه بهذه الدرجة التي نحن بها الآن؟ بينما كان أولئك في شغل
من العيش، ونحن في كفاية بفضل الدين وباسم الدين.
هل يجوز أن يطعن الدين كل يوم بين أيدينا طعنات قاتلة؟ ولا شيء يلهينا
عنه إلا نفس الرفاهية التي أغدقها علينا الدين؟ نعم في كل زمان وجد إلحاد، ونجم