ذو الحجة - 1343ه
يوليو - 1925م
الكاتب: أحمد بن تيمية
-----------------
<span class="footnote">
مناظرة ابن تيمية العلنية
لدجاجلة البطائحية الرفاعية
كتبها شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية -نفسه
رضي الله عنه
(2)
قال المخبر: فغدا أولئك الأمراء الأكابر، وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم
أمرهم الباهر، وذكر لي أنواعا من الخطاب، والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب،
والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق، فأعاد الرسول إلي مرة ثانية فبلغه أنا
في الطريق، وكان كثير من أهل البدع الأضداد، كطوائف من المتفقهة والمتفقرة
وأتباع أهل الاتحاد، مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم، مجهزين لمن يعينهم في
حضورهم، فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع،
متطلعين إلى ما سيكون طالبين للاطلاع، فذكر لي نائب السلطان وغيره من
الأمراء، بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء، وقال: إنهم قالوا:
إنك طلبت منهم الامتحان، وأن يحموا الأطواق نارا ويلبسوها، فقلت: هذا من
البهتان.
وها أنا ذا أصف ما كان قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدا بأن يدخل
نارا، ولا يجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح، وهؤلاء
يكذبون في ذلك، وهم كذابون مبتدعون قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما
الله به عليم، وذكرت تلبيسهم على طوائف من الأمراء، وأنهم لبسوا على الأمير
المعروف بالأيدمري، وعلى قفجق نائب السلطنة وعلى غيرهما، وقد لبسوا أيضا
على الملك العادل كتبغا في ملكه، وفي حالة ولاية حماه وعلى أمير السلاح أجل
أمير بديار مصر، وضاق المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم، فذكرت تلبيسهم على
الأيدمري، وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة، ثم
يخبرونه بها على طريق المكاشفة، ووعدوه بالملك، وأنهم وعدوه أن يروه رجال
الغيب، فصنعوا خشبا طوالا، وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب باكر
الزجاج، فجعلوا يمشون على جبل المزة وذاك يرى من بعيد قوما يطوفون على
الجبل وهم يرتفعون عن الأرض، وأخذوا منه مالا كثيرا، ثم انكشف له أمرهم.
قلت للأمير وولده: هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك، وهو ممن حدثني
بهذه القصة، وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلا في القبر يتكلم أوهموه أن الموتى
تتكلم، وأتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي
بجبل لبنان، ولم يقربوه منه، بل من بعيد؛ لتعود عليه بركته، وقالوا: إنه طلب
منه جملة من المال، فقال قفجق: الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها
هذا كله، وتقرب قفجق منه، وجذب الشعر؛ فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده
من جلد الماعز، فذكرت للأمير هذا، ولهذا قيل لي: إنه لما انقضى المجلس،
وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتابا، وهو نائب السلطنة بحماه،
يخبره بصورة ما جرى.
وذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الأغلال ونحوها، وإنا
نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة، فذكر الأمير حديث البدعة، وسألني عنه،
فذكرت حديث العرباض بن سارية، وحديث جابر بن عبد الله، وقد ذكرتهما بعد
ذلك في المجلس العام كما سأذكره.
قلت للأمير: أنا ما امتحنت هؤلاء، لكن هم يزعمون أن لهم أحوالا يدخلون
بها النار، وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا: هذه الأحوال التي
يعجز عنها أهل الشرع، فليس لهم أن يعترضوا علينا، بل يسلم إلينا ما نحن عليه
سواء وافق الشرع أو خالفه، وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل
أنا وهم، ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبا، وذلك بعد أن نغسل
جسومنا بالخل والماء الحار، فقال الأمير: ولم ذاك؟ قلت: لأنهم يطلون جسومهم
بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر البارنج وحجر الطلق، وغير ذلك