تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان مذهب أبي حنيفة الفارسي منتشرا في العراق العربي، ولا يزال العدد الكثير

من أشراف العرب ودهمائهم على مذهب أبي حنيفة، ولكن الشعوب الأعجمية

الإسلامية المنسوبة إلى السنة اقتصروا على مذهب أبي حنفية بعد ذلك إلا أهل

جاوه وما جاورها (ورضي الله عن الجميع) .

هذا وإن اللغة من أعظم أسباب الوحدة، والاختلاف فيها من أعظم أسباب

الشقاق والفرقة، ولما كان الإسلام دين التوحيد دينا عاما لجميع البشر، وكان من

مقاصده أن يؤلف بينهم ويجعلهم بنعمة الله إخوانا، فرض عليهم توحيد اللغة، كما

فرض عليهم توحيد الألوهية والربوبية، وتوحيد الشريعة والآداب النفسية

والاجتماعية، فخرجت هذه اللغة بشرع الله تعالى عن أن تكون لغة شعب واحد

منهم، ولولا ذلك لم تؤثرها جميع الشعوب الإسلامية على لغاتها حتى عم انتشارها

المشرق والمغرب مع الإسلام أيام كان الإسلام إسلاما، ونحمد الله تعالى أن وجد في

عدة شعوب إسلامية من يفكر اليوم في عظم شأن وحدة اللغة بين المسلمين ويسعى

لها سعيها، وإن أخطأ بعضهم في وضعها في غير موضعها، فإذا انتشر الشعور

بهذا النوع من الوحدة بين أهل التوحيد فإنهم يرجعون فيها إلى أصل دينهم وقاعدة

شرعهم، وقد نوهنا بهذه المسألة في كتاب (الخلافة) ولا يتهم من يدعو إلى اللسان

العربي بالتعصب للنسب العربي إلا من يجهل هذه الحقيقة الواضحة، كما فعل

بعض من كتب في مجلة الجامعة الهندية.

وقد مست الحاجة الآن إلى بيان الأدلة الشرعية على كون اللغة العربية

مفروضة على المسلمين فرضا دينيا؛ لأننا على علمنا بجهل كثير من المسلمين أو

غفلتهم عن هذه المسألة قد وجدنا فيهم من أنكرها إنكارا شديدا كعمر رضا أفندي

مراسل الأخبار في الآستانة.

وهاؤم اقرءوا ما كتبه إمام من أعظم أئمة المسلمين وهو الإمام الشافعي رضي

الله عنه فيها فقد صرح بهذا وأقام الأدلة عليه في رسالته التي هي أول كتاب وضع

في أصول الفقه قال [2] :

فإن قال قائل: فإن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يرسلون

إلى قومهم خاصة، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة. (قيل)

فقد يحتمل أن يكون بعث بلسان قومه خاصة ويكون على الناس كافة أن يتعلموا

لسانه، أو ما أطاقوه منه، ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم [3] فإن قال قائل: فهل من

دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم؟

قال الشافعي رحمه الله تعالى: فالدلالة على ذلك بينة من كتاب الله عز وجل

في غير موضع، فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض فلا بد

أن يكون بعضهم تبعا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع،

وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا

يجوز - والله تعالى أعلم- أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في

حرف واحد، بل كل لسان تبع للسانه وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه. وقد

بين الله تعالى ذلك في غير آية من كتابه. قال الله عز ذكره: {وإنه لتنزيل رب

العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي

مبين} (الشعراء: 192-195) وقال: ﴿وكذلك أنزلناه حكما عربيا﴾ (الرعد:

37) وقال: ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها﴾ (الشورى: 7) وقال تعالى: {حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم

تعقلون} (الزخرف: 1-3) .

قال الشافعي رحمه الله تعالى: فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية

ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه جل وعز كل لسان غير لسان العرب في آيتين

من كتابه فقال تبارك وتعالى: {ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي

يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين} (النحل: 103) وقال: {ولو

جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} (فصلت: 44) .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٥٥