الأيام أن يجعل للإسلام لغة سواها، وإنما اقترحوا لغة ملفقة من عدة لغات لا توجد
داعية دينية ولا دنيوية لشعب إسلامي إلى تعلمها؛ إذ ليست لغة دين ولا شرع ولا
علم ولا تجارة ولا صناعة ولا سياسة مشتركة بين هذه الشعوب حتى إن أهلها
يريدون تغييرها على ما لا ينكر من المحاسن فيها.
ولو أنهم اقترحوا تنظيم جعل لغة الإسلام التي نزل بها كتابه من عند الله
تعالى لغة التعارف والتعليم الديني بإقناع الشعوب الإسلامية الأعجمية بإتقانها
وتقرير الدروس الدينية للمتبدئين كالمنتهين بها بدلا من الترجمة التي جروا عليها
في القرون الأخيرة - لحمد الله اقتراحهم ورسوله والمؤمنون، وعدوهم من دعاة
الإصلاح المخلصين؛ لأن تعليم التفسير والحديث والعقائد والفقه بترجمة كتبها
العربية باللغات المختلفة كما هو الشائع الآن في بلاد الأعاجم - عائق عن التحصيل،
وشر منه قراءة الكتب المترجمة؛ ولذلك قل العلماء المحصلون في بلاد الأعاجم
بالنسبة إلى أهل العصور الأولى الذين كانوا يتدارسون العربية ويتقنون متنها
وفنونها ويدرسون علوم الدين بها، وما وجد ولا يوجد عالم أعجمي يوثق بعلمه في
الدين إلا ممن حذقوا هذه اللغة وأتقنوها.
ولو فهم خلف الشعوب الأعجمية الإسلام كما فهمه سلفهم الصالح لآثروا لغته
وفضلوها واقتصروا عليها، ولم يبالوا بترك لغاتهم ألبتة؛ لتحقيق الوحدة الإسلامية
من جميع وجوهها، وأعني بسلفهم مثل البخاري من أهل الحديث وأبي حنيفة من
الفقهاء وسيبويه والزمخشري من أهل اللغة وفنونها.
ذلك بأن تعارف البشر وتآخيهم وتوادهم واتحادهم إنما يكون بكثرة ما
يشتركون فيه من المقومات والمشخصات العامة، وأهمها الدين وعقائده وعباداته
وآدابه، والشرع العادل الذي يساوي بينهم في السياسة والقضاء ويكونون به أمة
حاكمة واللغة التي يتخاطبون بها، ويفضي كل منهم للآخر بما في نفسه، وهي
مظهر علومهم وآدابهم، ودون هذه الثلاثة عرق النسب، وجوار الوطن.
ولما كان الإسلام دينا إصلاحيا عاما لجميع البشر كان من أصوله دعوة الأمم
كلها إلى التوحيد في الدين والشرع واللغة التي هي أعظم مقومات الأمم النفسية
والسياسية والاجتماعية، لتكون الأمة الإسلامية بهم متحدة لا يفصل بين اتحادها ولا
جامعاتها هذه شيء من اختلاف الأنساب والأوطان؛ ولذلك حرم عصبية النسب
وغيرها تحريما غليظا حتى أخرج النبي صلى الله عليه وسلم أهلها من جماعة
الإسلام بمثل قوله: (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على
عصبية) رواه أبو داود من حديث جبير بن مطعم رضى الله عنه، وثم أحاديث
أخرى في الصحاح والسنن ذكرنا بعضها في كتاب (الخلافة أو الإمامة العظمى) .
ذلك بأن عصبية الجنسية أمضى مدية تقطع رابطة الدين، وتفسد أخوة
الإيمان بين المؤمنين. وقد كانت شرا على المسلمين من اختلاف المذاهب،
ولولاها لعم الإسلام المشارق والمغارب، وهي التي أفسدت بين العرب والفرس من
قبل، وهي التي أفسدت بينهم وبين الترك من بعد، وإننا لنجاهد منذ سنين في
تلافي شرها، وهو جل غرضنا من كتابة مباحث الخلافة التي بينا فيها أن اللغة
العربية قد جعلها الإسلام لغة جميع المسلمين لا لغة أبناء يعرب بن قحطان وحدهم،
وأن الإمام الخليل بن أحمد العربي الواضع لأول معجم لها ليس أولى بها من تلميذه
سيبويه الفارسي، وأن الإمام البخاري الأعجمي النسب قد امتاز في خدمة السنة من
بعض الوجوه على أستاذيه الإمامين أحمد وإسحاق بن راهويه العربيين، كما أن
الإمام النعمان قد قدم في فقه القياس على الأئمة الأعلام من العرب وغيرهم، وقد
قلد الخلفاء العباسيون بعض تلاميذ أبي حنيفة رياسة القضاء في دار خلافتهم، وما
كان المسلمون يفرقون في عهد الدول العربية بين عربي وعجمي في إمامة العلوم
الشرعية ولا غيرها، وكان مذهب الشافعي القرشي منتشرا في بلاد الفرس، كما