تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للسكر، ثم إنكم تقرءون في كتب فقهائكم ما لا نحب إعادة ذكره من تعريف الخمر،

والفلسفة في القدر المسكر مما ذكرناه في الفتوى الأولى ‍!

(5) إن هذا السبيرتو مما عمت به البلوى في أكثر بلاد الحضارة لما

تقدمت الإشارة إليه من أنواع استعماله في الوقود والتطهير والصيدلة والطب

والصناعة، حتى صار بعضها ضروريا وبعضها حاجيا أو تحسينيا، ولو حكم على

الناس في مصر - مثلا - بترك كل ما يدخل فيه السبيرتو لوقع الناس في حرج

عظيم وتعطلت أعمال ذات منافع عظيمة، وإننا نبين هنا حقيقة الضرورة

والاضطرار وعموم البلوى بأقوال أشهر العلماء الأعلام من المذاهب المشهورة

المتبعة.

الاضطرار والضرورة المبيحة للمحظور:

الاضطرار (افتعال) من الضرر أو الضرورة، فهو وقوع الضرورة أو تكلف

ما يضر بملجئ يلجئ إليه، وقد حققنا هذا وبينا الضرورة الشرعية في تفسير: {فمن

اضطر في مخمصة} (المائدة: 3) من أوائل سورة المائدة بالتفصيل (ص167

و168 ج6 تفسير) وقد اطلعنا أخيرا على كتاب أحكام القرآن للإمام أبي بكر أحمد

ابن علي الرازي المشهور بالجصاص المتوفى سنة 370 وهو من أئمة الحنفية فألفيناه

قد شرح مسألة الاضطرار شرحا تاما فرأينا أن ننقل هنا ما يتعلق بموضوعنا منه،

وهو قوله (ص126 ج1) المطبوع في الآستانة:

قول الإمام الجصاص الحنفي:

قال في باب ذكر الضرورة المبيحة لأكل الميتة من تفسير سورة البقرة ما

نصه: قال تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ (البقرة: 173)

وقال في آية أخرى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾ (الأنعام: 119) وقال: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله

غفور رحيم} (المائدة: 3) فقد ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات، وأطلق

الإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة وهو قوله: {وقد

فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} (الأنعام: 119) فاقتضى ذلك

وجود الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها. اه.

وبعد أن أطال في تفسير: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ (البقرة: 173) واختلاف

الشافعية مع الجمهور فيه، قال في أول ص 129 وما يليها ما نصه:

(ومعنى الضرورة هاهنا هو خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه

بتركه الأكل، وقد انطوى تحته معنيان (أحدهما) أن يحصل في موضع لا يجد

غير الميتة (والثاني) أن يكون غيرها موجودا، ولكنه أكره على أكلها بوعيد

يخاف منه تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه وكلا المعنيين مراد بالآية عندنا

لاحتمالهما، وقد روي عن مجاهد أنه تأولها على ضرورة الإكراه؛ ولأنه إذا كان

المعنى في ضرورة الميتة ما يخاف على نفسه من الضرر في ترك تناوله، وذلك

موجود في ضرورة الإكراه - وجب أن يكون حكمه حكمه؛ ولذلك قال أصحابنا

فيمن أكره على أكل الميتة فلم يأكلها حتى قتل: كان عاصيا لله، كمن اضطر إلى ميتة

بأن عدم غيرها من المأكولات لم يأكل حتى مات، كان عاصيا، كمن ترك الطعام

والشراب وهو واجدهما حتى مات، فيموت عاصيا لله بتركه الأكل؛ لأن أكل الميتة

مباح فى حال الضرورة كسائر الأطعمة في غير حال الضرورة، والله أعلم.

***

باب المضطر إلى شرب الخمر

(قال أبو بكر: وقد اختلف في المضطر إلى شرب الخمر، فقال سعيد بن

جبير: المطيع المضطر إلى شرب الخمر يشربها، وهو قول أصحابنا جميعا. وإنما

يشرب منها مقدار ما يمسك به رمقه؛ إذ كان يرد عطشه، وقال الحارث العكلي

ومكحول: لا يشرب؛ لأنها لا تزيده إلا عطشا، وقال مالك والشافعي: لا يشرب؛

لأنها لا تزيده إلا عطشا وجوعا، وقال الشافعي: ولأنها تذهب بالعقل، وقال مالك:

إنما ذكرت الضرورة في الميتة ولم تذكر في الخمر، قال أبو بكر في قول من

قال: (إنها لا تزيل ضرورة العطش والجوع) لا معنى له من وجهين (أحدهما) أنه

معلوم من حالها أنها تمسك الرمق عند الضرورة، وتزيل العطش ومن أهل الذمة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٤٥