دعائم الاستعمار البريطاني؟ إنني لا أسأل هذا السؤال ذا الدين من المغرورين
بالملك حسين وأولاده، بل الملاحدة الذين لم تبق العصبية أدنى أثر للرابطة الدينية -
ولو سياسية - في قلوبهم أن يأتوني بمصلحة بينة للعرب في تكوين الإنكليز لوحدتهم،
وبنائها على عداوة الترك وجعلهم جندا للدولة الإنكليزية يحاربون به هذا الشعب
الحربي الباسل الذي ظلت أوربة تكيد له بالحرب وغير الحرب عدة أجيال ولم
تستطع انتزاع سيادته من يده، فإن جئتموني أيها الملاحدة بهذه المصلحة وأثبتموها
بالحجة، ولم يبق لي من أسباب مخالفتكم إلا حرصي على المودة الإسلامية فإنني
أعذركم على اتباعكم لإغراء هؤلاء الحجازيين بذلك خدمة للإنكليز الذين صرحوا
لنا بأنهم لم يجدوا في هذا الميدان من إصطبل العرب إلا الملك حسينا مع الشك في
أن يوجد في الإصطبل غيره.
ومن الإنصاف حينئذ أن تعذروني في اتباعي لديني الذي يرشدني إلى التأليف
بين المسلمين عربهم وتركهم وفرسهم، كما أعذركم في عصبيتكم الجاهلية. على
أنني أعتقد عجزكم عن إثبات المصلحة أو نفي المفسدة في ذلك، وعن إثبات
زعمكم تفضيلي لمصلحة الترك على مصلحة العرب، وهل تستطيعون أن تأتوني
برجل من أمتنا ناضل الاتحاديين الذين هضموا حقوق العرب كما ناضلتهم؟ أو
برجل منكم أو من غيركم خطأ الغازي مصطفى كمال في خطبته التاريخية التي ألقاها
في المجلس الوطني بأنقرة كما خطأته فيما قاله عن العرب والخلافة، وفي مسائل
أخرى؟ أو برجل منكم أو من غيركم خطأه وحكومته في مسألة الخلاقة الحاضرة،
وأقام من الدلائل الشرعية والحكم الاجتماعية على وجوب حصر الخلافة في قريش ما
أقمته على ذلك؟ أو برجل منكم أو من غيركم أقام ما أقمت من الأدلة على كون اللغة
العربية هي لغة الإسلام ووجوب تعلمها على جميع المسلمين؟ نعم إنني مع هذا لم
أهضم الترك حقا لهم، ولم أنحلهم ما ليس لهم، وإنني اقترحت عليهم التعاون مع
العرب على إقامة الخلافة بالحق لأجل إعادة مجد الإسلام، مع استقلال كل من
الشعبين.. وإنني أبذل جهدي في سبيل منع التعادي والشقاق بيننا وبينهم،
وأرى الخطر علينا من ذلك أشد من الخطر عليهم {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في
ضلال مبين} (سبأ: 24) ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ (ص: 88) .
-----------------
<span class="footnote">
(*) هكذا في الأصل (غبر) ولعلها (غور) فالاسم المعروف الآن هو غور الأردن.
(1) يعني بهذا ما كتبه الملك حسين إلى رئيس وفد فلسطين من أن بلادهم استقلت تحت سلطته وما قام به المصريون من الإنكار على هذه المعاهدة بتضمنها للحماية على الحجاز، والأحزاب السورية من الإنكار على تضمنها للانتداب.</span></span>
الكاتب: شكيب أرسلان
-----------------
<span class="footnote">