تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعاهدة، ولا تزال الأيام تصدقنا وتكذبهم، وتؤيدنا وتفندهم.

(7) تفسيره لهذه السياسة البريطانية بآمالهم في إنشاء طائفة من الدول

العربية ذات حضارة نسبية أي لا حقيقية، وبأن الرشوة التي يرضون بها الشريف

وأولاده هي جعلهم إياهم محور هذه الدول وقطب رحاها، فليتأمل القراء فحوى

تأليف الدولة البريطانية لهذه الدول وهل هو لحب العرب أم لحب نفسها وتمكينها

من استعمارهم، وفحوى جعل مدنيتهم نسبية لا حقيقية، أليس معناه أن يكونوا عالة

على الإنكليز طول حياتهم؟ أليس هذا عين ما حذرنا العرب منه وأقمنا النكير على

الملك حسين لقبوله مبدئيا وجعل إعلانه عيدا للأمة العربية؟ أليس من مصائب أمتنا

أن يوجد عربي أو مسلم ينصر هذا الرجل ويدافع عنه؟! بلى، ولولا أن ثلاثة من

أفضل فضلاء سورية كتبوا إلي يقترحون الكف عن الإنكار عليه، وصرح واحد

منهم بتحسين الظن به، والرجاء فيه وفي أولاده، لما اعتقدنا أنه يوجد رجل ذو قيمة

مغرور به، فإنا لم نر في أسماء من ناضلوا دونه أحدا من أهل الفضل المعروفين،

بل كلهم من الجاهلين أو المجهولين والمنافقين المأجورين له أو للإنكليز! ولولا

وريقة القبلة لما علمنا إلا بأقل ما كتبوا، فإننا نربأ بأنفسنا أن ننظر في شيء من تلك

الصحف لما أمرنا الله تعالى به من الإعراض عن اللغو وعن الجاهلين.

(8) ليتأمل القراء جد التأمل كلامه في وصفه عروش الثالوث الشريف

بالقلقة لضعف أقانيمه الثلاثة والشك في قدرتهم على تبليغ الدولة البريطانية مرادها

من استخدامهم وتشبيهه اعتمادها على الملك حسين بالمقامرة على الجواد الخاسر في

السباق، واعتذاره عنها بأنها لم تجد في الميدان غيره، وإن كان يمكن أن يوجد في

الإصطبل العربي جياد أخرى خير منه، فهو صريح في أنها لم تجد أحدا من

زعماء العرب يرضى أن يكون مطية لها، يبلغها ما تطمع فيه من بلادها!! فطوبى

لكم يا أنصار حسين بهذا الزعيم الذي تقولون أنكم لا تجدون غيره! فقد تكلمتم

بلسان بريطانية العظمى.

(9) كلامه في تحاسد الأمراء الشريفيين وتباغضهم وكونه معروفا لم يبق

سرا فيكتمه كرامة لهم، وإن ستروه بتبادل ألفاظ العواطف السامية بينهم، والقول:

إن هذا هو الحق وإن جهله أو تجاهله بعض أصحاب الآمال فيهم، ولكن لا يجهله

الإنكليز المحيطون بجميع أسرارهم بما لهم من الجواسيس لديهم، وجميع المعاشرين

لعبد الله يعرفون شدة مقته لأخيه فيصل الذي انتزع منه عرش العراق بعد أن بايعه

عليه المؤتمر العراقي بدمشق، ويتربص به الدوائر لاسترجاع العرش منه، ومما

رواه لنا بعض المقيمين في عمان أن (ذا الإقبال الشيخ فؤاد الخطيب وكيل خارجية

دولة الحجاز) مدح الأمير عبد الله بقصيدة أنشدها بين يديه في (المقر العالي)

نسيب أفندي الخطيب مدير البريد في مملكته فلما بلغ قوله فيها:

تنازل عن ملك العراق كرامة ... وأفضل من عرش العراق تنازله

قال له الأمير: كذبت! إنني لم أتنازل، ومنعه من إتمام إنشاد القصيدة، بل لم

يلبث أن عزله.

وأما ما سماه الإنكليزي المجاملات بإظهار العواطف الكاذبة فمثالها ما رواه لنا

هؤلاء عن زيارة الملك فيصل له من عهد قريب، وهو أن كلا منهما كان يعبر عن

الآخر بجلالة أخي، بل كان فيصل يزيد على ذلك قوله (سيدي) .

(10) تأملوا أيها المسلمون حق التأمل وجد التأمل فيما يصرح به الإنكليز

من غرضهم من عقد المعاهدة مع الملك حسين ومما يسميه ويسمونه الوحدة العربية،

وأعني به قول الكاتب السياسي الإنكليزي:

(وواضح جدا أن لبريطانية العظمى ربحا من وراء إقامة كتلة عربية يمكن

اتخاذها في يوم من الأيام لمواجهة قوات أخرى في العالم الإسلامي أقل ميلا إلينا

بالود) .

أليس هذا صريحا في أنهم يريدون جعل العرب جندا لهم يقاتلون به الترك

والإيرانيين عند الحاجة؟ بلى، أللعرب مصلحة في قتال الترك والإيرانيين لتوطيد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٣٦