يحق لكم أن تفروا؛ لأنه طال عليكم الغياب عن أوطانكم، ولكن أخطأتم بأنكم لم
تخبرونا بعزيمتكم حتى نؤدي إليكم نفقة الطريق، ثم نقد لنا [3] مبلغا يكفي نفقتنا
وأرسلنا إلى جهة ركبنا منها البحر إلخ.
ويذكر هذا السويسري بعد ذلك الفرق بين الإسبانيول والمغاربة مما هو ظاهر
للعيان من سياق هذه القصة.
إن الذي يربطنا بعبد الكريم وقومه ليس أنهم مسلمون فقط ولا أنهم معدودون
من الأمم الشرقية، ولو كانوا من الغرب، بل لكوننا مقيدين وإياهم بسلسلة طويلة فهي
متصلة الحلقات لا خرم فيها من أولها إلى آخرها، ومن المحال أن يفوز المغربي
في الريف أو في أي مكان آخر بدون أن ينتشق أخوه المشرقي أرج الفرج، ولو
على بعد ألوف من الفراسخ، وهذا أمر يعرفه الأوروبيون جيدا؛ لذلك تجدهم
متضامنين متكافلين في وجهنا مهما اشتدت الشحناء بينهم في بلدانهم. وهاك مثالا
وقع معنا نحن الوفد السوري:
إنه لمعلوم كون فرنسا منافسة إسبانية في المغرب. وإسبانية لا تود فرنسا،
وأكثر الخلاف بينهما على مسألة طنجة، فذهب مرة أحد زملائنا أعضاء الوفد
السوري لمقابلة المندوب الأسباني في جمعية الأمم نظير غيره من مندوبي الدول
الذين قابلناهم وشرحنا لهم قصة سورية، إلا أنني لم أكن والحمد لله حاضرا هذه
المرة مقابلة المندوب الإسبانيولي بل كان الرصيف وحده، فما كاد يفتح له حديث
الاستقلال وحق سورية في الاستقلال إلا وجد المندوب الإسباني نفر وانتثر وقال له:
(نحن لا نساعد أبدا أمما أمثالكم على الاستقلال ويكفينا ما عندنا من مسألة الريف)
وصادف أن رصيفنا لم يكن يريد إغضابه ظنا بأن مرضاته ربما تفيد شيئا، وأنه
هو أيضا ممن يعتقد المصانعة وكتمان الضمير في السياسة، فأخذ يبرهن له على
أهلية سورية للاستقلال، ويؤكد له وجود قسم كبير فيها من المسيحيين. وشرع
الإسبانيولي يرد عليه بأن المسيحيين في سورية هم فئة قليلة فأجابه رفيقنا لا بل عندنا
مسيحيون نحو الثلث. وأخيرا فصل السياسي الأسباني الخطاب بأنهم هم أي
الأوروبيين لا يجدر بهم أن يساعدوا أمة شرقية على الاستقلال، ولو كان فيها
مسيحيون، وأتى بهذا الجواب المقشر بدون أدنى محاباة ولا محاياة، فلينظر إذا
الشرقي وليتأمل.
هذه قضية لم نأخذ منها النتيجة عقلا، بل أخذناها نقلا بل شفهيا من فم
مندوب إسبانية في جمعية الأمم. يكره هؤلاء استقلالنا بالشام؛ لئلا تشتد بقوتنا نحن
عزائم أهل الريف، ولو كان الأسبان أضداد الفرنسيس، أبعد هذا شك في وجود
التضامن بينهم ووجوب التضامن لا بيننا وبين كل أمة إسلامية فقط بل كل أمة
شرقية بل كل أمة مظلومة مسلمة أو غير مسلمة؟ إذا فليحي محمد بن عبد الكريم؛
لأن قضيته هي قضيتنا.
... ... ... ... ... ... ... ... ... البيان - (ش)
(المنار)
إن فيما ختم به مقاله أمير الكتاب، لموعظة وذكرى لأولي الألباب، ومن
العجب العجاب أن أهل الشرق كافة، والمسلمين منهم خاصة والإفريقيين منهم
على الأخص. لم يحفلوا بأمر هؤلاء الريفيين على إعجابهم ببسالتهم، وعلمهم
بقلة الوسائل التي بأيديهم، ولو كنا أحياء كالإفرنج الذين يتعاونون على استعبادنا،
ويتكافل المتنازعون منهم فيما بينهم في كل ما يقضون به علينا - لكنا أجدر بإرسال
المتطوعين إلى الريفيين، من الإنكليز بالتطوع مع الأسبانيين، وإننا نرى نهضة
شعبنا المصري قد دخلت في كل طور من أطوار حياة الأمم إلا طور الجهاد بالنفس،
والتمرن على فنون الحرب، أفلم يكن يجدر بهم أن يغتنموا مثل هذه الفرص
- حرب طرابلس وحرب الريف - فيرسلوا حملات المتطوعين من شبانهم التي دلتنا
الثورة الأخيرة على شجاعتهم فيها وعدم مبالاتهم بالرصاص في أثنائها، وأن يجدوا
من ضباطهم الذين في (الاستيداع) من يقود حملتهم ويدربها؟ بلى، والله ثم بلى.
فإن كان هذا طورا جديدا لما يتح لهم فما بال أغنيائهم الذين حمد العالم لهم