وأما إمام اليمن فهو قادر على إنقاذ الحجاز من هذا المتغلب وكذا سلطان نجد
ولا سيما بعد اتفاق هذا مع السيد الإدريسي ولكن هؤلاء يعلمون أن تصديهم لهذا
الأمر يحمل حسين بن علي على الاستعانة عليهم بمواليه وحلفائه الإنجليز الذين بنى
(مقررات نهضته) على حمايتهم له في داخل بلاده وخارجها فيكون في التصدي له
فتنة يرونها أرجح من مفسدة إقراره على سلطته العارضة، وهي مفسدة احتلال
الإنجليز لبلاد الحجاز، ولو بجيش يسمى مسلما، وقد بينا من قبل أن خوفه من
جيرانه هو الذي حمله على جعل الحجاز تحت حماية الإنجليز.
وهاك ما جاء في نص المادة الثانية من (مقررات النهضة) التي أشرنا إليها
من قبل:
(تتعهد بريطانيا العظمى بالمحافظة على هذه الحكومة وصيانتها من أي
مداخلة كانت بأي صورة كانت في داخليتها وسلامة حدودها البرية والبحرية من أي
تعد بأي شكل يكون حتى لو وقع قيام داخلي من دسائس الأعداء أو من حسد بعض
الأمراء فهي تساعد الحكومة المذكورة (أي العربية الهاشمية) مادة ومعنى على رفع
ذلك القيام لحين اندفاعه) .
قلنا: إن كلا من إمام اليمن وسلطان نجد قادر على إنقاذ الحجاز من هذا
الرجل فكيف إذا اجتمعا، ولكن الأول لا مطمع له في غير ملك اليمن، وكذلك كان
سلفه؛ ولذلك لم تتوجه همتهم إلى اتخاذ الوسائل لتعميم سلطة إمامتهم، على
اعتقادهم أن الإمامة الحق محصورة فيهم، ولعمر الحق إنهم كانوا أولى بها من
العباسيين والعبيديين (الفاطميين) لأنهم حافظوا على العلم الاستقلالي والعدالة
وسائر الشروط الشرعية على صراحة نسبهم، وسبب ذلك أو أهم أسبابه اعتمادهم
على عصبية الزيدية دون غيرهم، وما زالت عصبية المذاهب ضارة حتى فيما
يظن أصحابها أنها مفيدة فيه.
وأما الثاني فأكثر الناس يعتقدون أن المانع له من الاستيلاء على الحجاز
اصطناع الإنجليز له بالمال وتخويفهم إياه من تأليب الحجاز والعراق وعرب
فلسطين عليه إذا خالف رأيهم في ذلك، ويقولون: إنهم هم الذين صرفوه عن
الاستيلاء على مكة يوم سحق أكبر قوة أمكن للشريف جمعها وسوقها عليه بقيادة
ولده الأمير عبد الله عقب هدنة الحرب العامة وجلاء الترك عن المدينة المنورة.
ويقول بعض النجديين من بطانة سلطانهم وثقات رجاله: إن المانع الحقيقي له
من ذلك حبه للسلم وكراهته القتل مطلقا؛ ولذلك أخضع آل الرشيد بالحصار الطويل
الذي كلفه أعظم النفقات في أشد أيام العسرة والغلاء، وكان قادرا على إخضاعهم
بالمناجزة بنفقة قليلة. وقال بعضهم: إننا ألححنا عليه عند سحق قوة الشريف في
طربة بأن يستولي على مكة المكرمة فلم يقبل وتحرج أن يدخلها فاتحا مع قول النبي
صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من الحديث الصحيح المشهور: (وإنه لم يحل القتال
فيه لأحد قبلي ولم يحل إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) .
وأقول: إن هذه المسألة تدخل في مسائل الاستفتاء عما يجب على المسلمين
من إنقاذ الحرمين فيجب أن نبين أقوال أئمة الشرع فيها.
قال الحافظ ابن حجر فى الكلام على هذا الحديث من شرحه لصحيح البخاري:
واستدل به على تحريم القتل والقتال في الحرم. وبعد أن ذكر الخلاف في مسألة
القتل حتى إقامة الحد الشرعي في الحرم قال:
(وأما القتال فقال الماوردي: من خصائص مكة أن لا يحارب أهلها، فلو
بغوا على أهل العدل فإن أمكن ردهم بغير قتال لم يجز (أي قتالهم) وإن لم يمكن
إلا بالقتال، فقال الجمهور: يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى فلا يجوز
إضاعتها، وقال الآخرون: لا يجوز قتالهم بل يضيق عليهم إلى أن يرجعوا إلى
الطاعة. قال النووي: والأول نص عليه الشافعي. وأجاب أصحابه عن الحديث
بحمله على تحريم نصب القتال بما يعم أذاه كالمنجنيق ونحوه بخلاف ما لو تحصن
الكفار في بلد، فإنه يجوز قتالهم على كل وجه. وعن الشافعي قول آخر بالتحريم