غيره بحبه، وأنه لين سلس، كان في أول العهد يسير في البلاد كما يشاء
البريطانيون، ثم جاءها أخيرا من فرنسة يدعو إلى الاتفاق مع الفرنسيس، فأرادوا
أن يستفيدوا بما أوتي من قوة وضعف بما أرادوا من اغتنام فرصة الحرية التي
نالتها المنطقة الشرقية باسمه وتحت قيادته بإعلان الاستقلال التام لسورية المتحدة
بجميع مناطقها ليجعلوا الحلفاء تجاه أمر واقع بصفة مسلمة لهم معترفة بفضلهم
وملكية قائد من قواد حلفهم، فإن ساعد القدر على قبولهم ذلك فهو المراد، وإلا فإن
حال البلاد معهم بعده لا يخشى أن يكون شرا مما كان قبله، وذلك أنهم حينئذ
ينفذون الاستعمار الذي سموه انتدابا بالقوة العسكرية، فيكون وجودهم فيها مخالفا
للحقوق الطبيعية والأساسية، ولمعاهدة الصلح الكبرى وما فيها من عهد عصبة
الأمم المصرح فيه بأن البلاد المشروط في استقلالها قبول الانتداب يجب أن يكون
لأهلها الحق الأول في اختيار الدولة المنتدبة وشكل الحكومة التي ترضاه، وبهذا
يكونون غاصبين ويكون للبلاد الحق الذي لا يرد في معارضتهم عند كل فرصة
ممكنة، وأما إذا قبل الشعب الانتداب باختياره فإنه يكون قد قتل نفسه بيده.
***
مجمل ما كان بعد إعلان الاستقلال
أعلن الاستقلال بصفة نادرة المثال وبلغ أمر إعلانه للدول فجعله الحلفاء
محلا للنظر، وكان جواب إنكلترة لفيصل أنها تعترف بصفته حاكم على رأس
حكومة مستقلة، لكن يجب أن تقرر الصفة الرسمية في مؤتمر رسمي، ودعته إلى
حضور مؤتمر (سان ريمو) فتردد أولا؛ لأن الرأي العام لم يرتح إلى سفره وفي
مقدمته المؤتمر السوري الذي كان يلح عليه بوجوب الاستعداد للدفاع عن تلك البلاد
وتؤيده جميع الأحزاب، ثم اقتنع الأكثرون باستحسان السفر بعد إلحاح إنكلترة به،
وقد طلب من الجنرال غورو في 8 يوليو (تموز) تعيين سفينة تقله إلى أوربة،
فأجابه بأنه يجب عليه قبل سفره أن يجيبه إلى مطالب طلبها منه، من أهمها إباحة
استعمال الخط الحديدي من رياق إلى حلب لنقل الجنود الفرنسية والذخائر الحربية،
وأنذره أنه إذا سافر قبل تنفيذ هذه المطالب من طريق آخر فإن فرنسة تكون حرة
في أعمالها، ولم يقبل تفويض النظر فيها إلى لجنة مختلطة من العرب والفرنسيس
والإنكليز حسب الاتفاق مع الرئيس كليمنصو.
***
إنذار الجنرال غورو للملك فيصل
ثم أرسل إليه الجنرال غورو في 14 يوليو إنذاره المعروف الذي صرح فيه
بمطالبه الخمس وهي: الاعتراف بالوصاية الفرنسية على سورية بلا شرط ولا قيد
وتسليم الخط الحديدي المذكور آنفا للسلطة العسكرية الفرنسية، وإلغاء الخدمة
العسكرية الإجبارية، وجعل عدد الجيش المتطوع كما كان في العام الماضي،
وتسريح سائر الجنود، ومعاقبة المجرمين المؤسسين للعصابات والمحرضين على
فرنسا، وقبول ورق البنك السوري الذي أسسته فرنسة بجعله نقدا وطنيا رسميا،
وجعل آخر موعد لإجابة هذه المطالب نصف الليل الذي ينتهي به اليوم 18 من
الشهر.
لم يكن في وسع الملك فيصل المبادرة إلى إجابة هذه المطالب؛ لأن المؤتمر
السوري العام والأحزاب السياسية كلها كانت غير راضية منه ولا من حكومته لعدم
قيامها معه بما يجب من الاستعداد لحفظ الاستقلال والدفاع عنه، ولهذا اضطروه
إلى إسقاط وزارة علي رضا باشا الركابي، ثم رأوا أن وزارة هاشم بك الأناصي
التي خلفتها لم تكن أقوى منها فحاولوا إسقاطها، ولما شعروا بهذا الإنذار الذي أعقبه
الضعف والإهمال وسوء الإدارة اشتد هياجهم وسخطهم، وسرى الهياج إلى سائر
طبقات الأهالي الذين اندفعوا إلى الاستعداد للدفاع عن البلد وصاروا يطعنون في
الملك فيصل جهرا ويتحدثون بالإيقاع به حتى إنه وضع من كان لديه من الجند
الحجازي حول داره لحمايته، وسعى إلى الجنرال غورو ملتمسا منه تعديل مطالبه
فأبى.
وفي غرة ذي القعدة 17 يوليو كتب إلى رئيس الوزراء بأن الملك يرغب أن