ألقاه مع جميع أعضاء المؤتمر في داره مساء، فأجبنا الطلب وقابلناه مع وزرائه،
فشرح لنا الحرج الذي وصلت إليه حال البلاد وتهيج العوام بغير عقل، وخذلان
إنكلترة حتى لا يرجو منها أقل مساعدة، كما أبرق إليه محمد بك رستم من لندن،
وإن للحكومة حجج على الجنرال غورو لا تستطيع الإدلاء بها في أوربة، وله
عليها حجج بعضها حق وبعضها باطل ينشرها حيث شاء، ثم طلب من الأعضاء
أن يكتب إليه كل منهم برأيه على حدته في كتب مختومة وعاهدهم على أنه يعمل
بها ولا يطلع أحدا عليها، فانصرفوا وهو يحسب أن سيكتبون ولكنهم لم يكتبوا إليه
وعدوا اقتراحه خداعا يريد أن يحتج به على قبوله للمطالب الفرنسية ويجعل التبعة
على المؤتمر.
ثم إن المؤتمر عقد في (3 ذي القعدة 19 يوليو تموز) اجتماعا سريا غير
رسمي تبارى فيه الخطباء في الطعن في الحكومة لاعتقادهم أنها قررت التسليم
بمطالب الجنرال غورو، ثم عقدوا جلسة رسمية اكتظ مكان المستمعين، بحاضريها
من الوجهاء ورؤساء الأحزاب وأعضائها، وقرروا فيها بالإجماع أن قرار المؤتمر
التاريخي المتضمن لاستقلال سورية ووحدتها، ورفض الهجرة الصهيونية وملكية
فيصل - قرار واحد، إذا نقض بعضه نقض كله، وأن كل حكومة تقبل الوصاية لا
تكون حكومة شرعية، وأنه لا يعتد بمعاهدة لا يقبلها المؤتمر، وقد طبع هذا القرار
ونشر في العاصمة.
وفي اليوم التالي (4 ذي القعدة 20 يوليو) أصدر أمره بتأجيل عقد المؤتمر
شهرين لأن المجالس النيابية تقفل في مثل هذه الحال الحربية، وقد قرأ وزير الحربية
الأمر على منبر المؤتمر وكان معه رئيس الوزارة وانصرفا واجمين ممتقعين،
وكان بعض الأعضاء يريد عدم امتثال هذا الأمر فأقنعتهم بأن هذا خير للمؤتمر
وأني سررت به، ولولاه لاقترحت على الأعضاء أن يقرروا ذلك من تلقاء أنفسهم،
ذلك بأن دمشق كانت في أشد الهياج والسخط على ملكها ووزارته سواء في
ذلك الأحزاب والجماعات والأفراد وكلهم يرجون من المؤتمر ما لا قبل له به، وما
ثم إلا إلزام الملك والوزارة برد إنذار الجنرال غورو والدفاع عن البلد إن هوجمت
بغيا وعدوانا، أو إسقاطهم وإقامة حكم عسكري مفوض (دكتاتور) يدافع عن البلاد
بكل الوسائل الممكنة، ولا يوجد في البلد من هو أهل لنوط ذلك به، والثورة
الداخلية غير مأمونة، وكل ما يترتب على ذلك من الغوائل يكون حينئذ في عنق
المؤتمر الذي لم يأت إثما ولا ادخر في الخدمة وسعه، وقد أصبحت الأمة كلها
راضية عنه بعد أن كادت الدسائس تغيرها عليه، وإنني علمت أن التجنيد الإجباري
الذي قررته الحكومة بضغط المؤتمر وإلحاحه قد كان عملا صوريا، وأنها لم تقصد
به إلا إيهام الأمة ما يرضيها وإيهام فرنسة ما يحملها على التساهل يما تطلبه ويطلب
منها.
انفض المؤتمر وكانت المراسلة بين الملك فيصل والجنرال غورو على قبول
مواد إنذاره متصلة، فلما أصر على قبولها كلها أمر الملك قبل كل شيء بتسريح
الجيش السوري من ثكناته ومواقعه الحربية وأهمها مضيق مجدل عنجر الحصين
في طريق جيش الجنرال غورو الزاحف على الشام، فسرح الجيش بغير نظام
فترتب على ذلك نهب الأسلحة والذخائر، وأحدث ثورة في شوارع دمشق، وهاج
الشعب هياجا شديدا، وكثر التصريح في الشوارع بالهتاف للمؤتمر وبسب الملك
فيصل وأبيه والتحدث بخيانته ووجوب قتله، وقد اضطرت الحكومة بمن بقي عندها
من الجند لحفظ الأمن من أن تقاتل الثورة بالسلاح حتى إنها استعملت المدافع الرشاشة
في ذلك وقتل كثيرون - قيل 50 وقيل 70 - وجرح كثيرون قيل 150.
قبلت الحكومة برياسة الملك فيصل جميع مطالب الجنرال غورو ومنها قبول
الوصاية بلا شرط ولا قيد، فأصبحت بذلك ساقطة مع ملكها غير شرعية بقرار
المؤتمر المذكور آنفا، ثم إنها علمت في اليوم التالي لتسريحها الجيش (وهو 20
يوليو) أن جنود الجنرال غورو زاحفة على دمشق، وعلمت بعد المراجعة بين