تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دون الخياليات ولكنه يحتاج إلى تمحيص وتفصيل بين عقلاء الفريقين بكثرة البحث،

ولا سيما في طريقة تنفيذه في الحال الحاضرة.

***

الشريف فيصل في عهده الأخير بسورية [7]

ونصحنا للشريف الأكبر - كما تقدم -، ثم لنجله الأمير فيصل، فأما الأول

فله خلق مطبوع معروف، فسهل على مخاطبه أن يعلم ما يقبله ويجري عليه وما لا

يمكن أن يقبله، وأما الثاني فقلما يعرف له رأي مستقر، أو يثق مختبره بأنه أقنعه

بشيء، وإن كان غير المختبر له يظن أنه أقنعه بكل شيء للين عريكته ولطف

معاشرته وكثرة مواتاته وقلة معارضته، وكراهته مواجهة أحد بما يكره إلا إذا غلبه

الغضب هو سريع الفيئة بعد الغضب، وقد عاشرته زهاء نصف سنة كنت ألقاه في

أكثر أيامها، ولم أقف له على عقيدة راسخة في السياسة إلا استحالة إخراج فرنسة

وإنكلترة من البلاد العربية الآن ووجوب العمل مع إحداهما وخدمة البلاد ومساعدتها

في ظل وصايتها، والاستعانة بموادتها على تخفيف وطأتها، على أنه لا يصرح بهذا

تصريحا جليا، وهذه نظرية كل من واتوا الأجانب في هذا الطور الذي نحن فيه

كحقي بك العظم وداود بك عمون، فلا أرى فرقا بينهما وبين الأمير فيصل والأمير

عبد الله، وإن كان أتباع الأميرين يعدون هذين من الخائنين لأمتهم ووطنهم،

والأميرين من المحررين لها، ولعلنا نكتب مقالا في ترجمة الشريف فيصل وسيرته

في سورية يجعل حقيقته ماثلة لكل قارئ.

جاء الأمير فيصل سورية من فرنسة في 23 ربيع الآخر سنة 1338

(14 يناير ك1 سنة 1920) وهو يعتقد أنه باتفاقه مع كليمنصو على قبول

الوصاية الفرنسية مع تخفيف شروطها قد خدم سورية أجل خدمة ولكنه لم يستطع

أن يقنع حزبه الخاص بذلك، وهو الذي عمل له كل شيء وحاول أن يؤلف حزبا

من المحافظين يستعين به على ذلك، وكان ذلك حزب عبد الرحمن بك اليوسف

الفرنسي النزعة الذي سمي بالحزب الوطني، ولكنه لم يستطع مساعدته ولا الاستعانة

به، بعد أن تعرف إليه وتنكر لحزبه، وظل سلطان الحزب الأول عليه أقوى من

سلطانه على الحزب على ما أوقع فيه من الشقاق، فالحزب هو الذي منعه من العودة

إلى أوربة، وحمله على قبول إعلان استقلال سورية وجعله ملكا عليها وأرضاه

بجعل ملكها إرثا في ذريته، وبجعل الراية الحجازية راية لسورية مع زيادة نجم

أبيض في الزاوية الحمراء التي هي رمز علم شرفاء مكة فيها، وجعل القواعد التي

بنى عليها المؤتمر السوري إعلان الاستقلال قائمة على أساس الاعتراف بأنه قد

حارب الترك من قبل والده مع جيوش الحلفاء لأجل تحرير البلاد العربية وتحقيق

استقلالها الذي كان ينشده أحرارها، وأرادوا أن يكون هذا حجة على الحلفاء،

ولذلك عززوه بتصريحات وزراء الحلفاء التي كانوا يفوهون بها في أيام الحرب -

كما تقدم بيانه من قبل - وقد كان الواضعون لقرار المؤتمر من أعضاء حزب

الاستقلال السوري قد عرفوا الحقائق في هذه الشؤون إذ زالت تلك الظلل والغواشي

التي كانت تحجبها عن أبصارهم، ثم عرفها كل أحد بعد رفض الحلفاء التصديق

على الاستقلال، وما كان من أعمالهم العسكرية والإدارية في سورية الجنوبية

والشمالية، يدل على ذلك ما كان يلقى في المؤتمر السوري العام بدمشق من

الخطب في إنكار تلك الأعمال والطعن فيها، وما كان بين المؤتمر وبين الملك

فيصل ووزارتيه مما نلم به بعد.

ولقد علم الذين قاموا بدعوة إعلان الاستقلال وتهيئة أسبابها ومقدماتها بعد

ممارسة الحوادث أن فيصلا قائد للحلفاء موكول إليه حفظ الأمن في المنطقة الشرقية

إلى أن يفرغوا من إيراد ما يريدون من أمر مستقبل البلاد، وأنه قوة رسمية ومالية،

فإن الإنكليز كانوا يدفعون له راتبا، وكانوا يعطونه حصة المنطقة الشرقية من

جمرك حيفا، وصار الفرنسيس يعطونه مثل ذلك من جمرك بيروت بعد الموادة

وقطعوه عند المحادة، وأنه يائس من الاستقلال التام الناجز، وإن كان أولى من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢١٠