في سورية تحت إشراف فرنسة ورعايتها أو حمايتها.
ولدي مذكرات وبعض ما سمعته في تلك الأيام من بعض أعضاء جمعية السير
مارك سايكس وغيرها، من أهمها قول رجل من أعلم المشتغلين بالسياسة منهم في
(28 يونيو) أنه فهم السير مارك سايكس نفسه أنهم يريدون إعطاء سواحل سورية
كلها لفرنسة؛ لأنها البلاد التي كان الصليبيون قد احتلوها في أثناء الحروب
الصليبية المشهورة. وقوله (في 10 أغسطس) بعد أن عاد السير مارك سايكس
وموسيو جورج بيكو من زيارة ملك الحجاز بجدة: إن الشريف وافقهم على أن تكون
سواحل سورية لفرنسة. وقد ذكر سايكس لمحدثي من أقنع الشريف من المستخدمين
عنده بذلك، ولقنه ما اقترح هو عليه أن يقوله لموسيو جورج بيكو فأقنعه به، فلم
يخالف بحرف منه (ولكن هذا الرجل قال بعد: إنه أوهمهم أنه هو الذي أقنعه،
والحق أن الملك لم يعارض فيحتاج إلى إقناع. ثم بعد بضعة أيام أخبرني بذلك رجلان
آخران ممن كانوا يلقون سايكس أو من أعضاء اللجنة التي ألفها، ثم بعد سماعنا هذا
بأسبوع أو أسبوعين جاء القاهرة أحد القواد الذين كانوا مع الأمير فيصل فألفيناه معتقدا
أن الملك وافق الإنكليز والفرنسيس على ما قررا في شأن سورية والعراق، ثم سمعت
هذا الخبر بعينه بعد شهر من مسلم آخر كان مشتغلا بهذا العمل مع اللجان. ثم أخبرنا
بعض من كانوا مع الأمير فيصل أنهم رأوا كتابا من والده له يذكر فيه ذلك، ويعلله
بأن فرنسة تحفظ له سواحل سورية من التعدي عليها إلى أن يصير للدولة العربية
أسطول يحميها به على أنها تدفع مبلغا معينا للدولة العربية في كل عام ما دامت محتلة
في تلك السواحل.
وجملة القول أنه قد تألف بمصر في سنة 1917 جمعيات ولجان بإيعاز
الإنكليز والفرنسيس بعضها لوضع أساس الاتفاق بين الطوائف على ما سيكون عليه
نظام البلاد بعد تنفيذ ما علم بالإجمال أن الدولتين الحليفتين اتفقتا عليه، ومنه جعل
فلسطين وطنا قوميا لليهود، وبعضها لوضع أساس الاتفاق بين العرب واليهود، ومن
هذه الجماعات جمعية فندق ناسيونال، ولم يكن فيها إلا مسلم واحد، وقد كنت كلما
سمعت من أحد خبرا من الأخبار في هذا الشأن أجادله بالتي هي أحسن إلا أن يكون
مسلما فإنني أنذره سوء عاقبة السعي مع الساعين في هذه السبيل، وما يعقبه من
لعنة الملايين له إلى يوم الدين.
وفي أول سنة 1918 ظهر الاتفاق بين الدولتين بمظهره الرسمي، وقد وصل
إلى مصر في منتصف شهر فبراير منها بريد أوربة شارحا ذلك، فأمرت المراقبة
بمنع الخوض فيه في الجرائد إلى أن تمهد له السياسة ما ترجو أن يكون مقبولا عند
جماهير السوريين المختلفي الأحزاب والآراء. وكانت وصلت إلي في هذا البريد
جريدة المستقبل العربية التي تصدرها في باريس جمعية موسيو شكري غانم
السورية بنفقة الحكومة الفرنسية مفصلة لإعلان هذا الاتفاق في لندرة، ثم في
باريس كما ذكرناه بعد ذلك في الجزء الأول من مجلد المنار الحادي والعشرين
(فليراجعه من شاء عند مطالعة هذه المقالة في ص 34) .
وعلى إثر ذلك جاءني من أحد وجهاء السوريين المشتغلين بالسياسة مع
الإنكليز كتاب يدعوني فيه إلى شرب الشاي في داره (مع أخلص المحبين) في
مساء 2 فبراير سنة 1918 فأجبت الدعوة وأنا متوقع أن تكون لتأييد الاتفاق
الإنكليزي الفرنسي على قسمة البلاد العربية بين الدولتين، وعازم على مقاومة ذلك
موطنا نفسي على النفي من مصر بهذه المقاومة مستعدا لذلك، وقد رأيت في المكان
ما قوى حدسي: رأيت أشهر رجال الحزب الإنكليزي والحزب الفرنسي والحزب
الحجازي وحزب الاتحاد اللبناني وأفرادا من المستقلين طلاب الاستقلال، وبعض
المراقبين من الضباط وغيرهم، وفي مقدمتهم طالب بك النقيب والأستاذ الكاظمي
ونوري بك السعيد. وبعد شرب الشاي وما يتبعه من الحلوى والفاكهة اقترح
على شاعر العرب الكاظمي أن يسمع الحاضرين ما تجود به قريحته من