الشعر الاجتماعي، فاعتذر بانحراف صحته، ثم ارتجل أبياتا صفق لها القوم
تصفيق الإعجاب مرارا لا نذكر منها الآن إلا قوله:
قد منعنا الحق الصراح وأعطي ... غيرنا حقنا بلا استحقاق
ثم اقترح على الدكتور فارس نمر أحد أصحاب المقطم [3] أن يلقي خطابا في
موضوع الحال الحاضرة فأجاب.
***
خطاب الدكتور نمر في شأن اتفاق سنة 1916
قال الخطيب في فاتحة خطابه أنه مضطر إلى مخاطبة الحاضرين في بيان
الحال التي انتهت إليها مسألة وطنهم بصراحة فوق المعتاد، ثم أشار إلى ما دار بين
الدولتين في مسألة البلاد العربية، وقال: إن رجالهم العظام صرحوا بأنهم لا يمكنهم
أن ينفعوا سورية حول البساط الأخضر في مؤتمر الصلح إلا إذا كان زعماؤها
متفقين على أمر مستقبلهم، فهم يتهموننا بعدم الاتفاق، وأن الفرصة سانحة لنا إذا
أردنا إنقاذ بلادنا من حكم الترك، وإذا فاتت هذه الفرصة فلا يمكن أن تعود لنا ولا
لأبنائنا وأحفادنا (قال) : وأنا أقول إننا لسنا مختلفين بقدر ما يظنون أو يقولون،
ولا مجال للخلاف في هذا الأمر الجوهري للبلاد، وهو إنقاذها من طغاة الترك. وأما
الخلاف فيما عدا ذلك من مستقبل البلاد فأمره سهل متى تم لنا إنقاذ البلاد (وقال) :
إني قرأت تقرير جمعية الاتحاد اللبناني فرأيت أن الخلاف بينها وبيننا بسيط يمكن
تلافيه بتعديل خفيف، فهي تريد استقلال لبنان ونحن نبغي استقلال لبنان وسورية
والعراق، أي البلاد العربية (وهنا صفق له الكثيرون) ثم نوه بأننا كلنا عرب،
ومصلحتنا واحدة.
وبعد هذا التمهيد بالإسهاب حاول أن يأخذ قرارا من الحاضرين بالأمرين
اللذين زعم السير مارك سايكس بخطابه في الجمعية السورية بباريس أنه يمكن
للسوريين الأحرار في المهاجر الاتفاق عليهما، وهما قلب الحكم التركي وإزالته،
واعتماد السورييسن على مساعدة فرنسة في السير بأنفسهم في طريق الحياة، أي
كاعتماد العراقيين على إنكلترة في ذلك! (راجع ص 35 م 21) فقال: ألسنا كلنا
متفقين على إنقاذ بلادنا وتحريرها من ظلم أعدائنا الأتراك وإخراجهم منها؟ وصار
يلتفت إلى الحاضرين من كل جانب، فقال له بعضهم: نعم، وسكت الأكثرون،
فقال: ليس بعد هذا أمر يقتضي الاتفاق عليه من الآن إلا إظهار رغبتنا ورجائنا
في حلفائنا الكرام، ولا سيما إنكلترة وفرنسة أن يساعدونا على إتمام مقاصدنا، وأن
نحسن الظن بهم ونقوم بما تقتضيه السياسة من إظهار الثقة بهم، وإن ظهر لنا من
أقوالهم وأعمالهم ما لا ينطبق على أفكار البعض منا، فمن العقل الآن أن نترك
البحث في ذلك، ومتى صار السوري في سورية، واللبناني في لبنان، والعراقي
في العراق، فعند ذلك يكون المجال أمامنا واسعا في البحث عن مستقبل البلاد.
ثم قال: إنه سمع من بعض الحاضرين كلمات تدل على سوء الظن والتشاؤم،
ومنها قول الكاظمي:
قد منعنا الحق الصراح وأعطي ... غيرنا حقنا بلا استحقاق
وقال: إن هذا في غير محله، وإن حقنا لنا لم يأخذه أحد بغير استحقاق إلخ.
***
خطاب الكاتب صاحب المنار
ولما أتم خطابه ظهر لي أن ظني في هذا الاجتماع المدبر عين اليقين، وأن
المراد منه أن يؤخذ من جمهور زعماء السوريين - وكذا العراقيون على قلتهم هنا -
إقرار بما قررته الدولتان كما أخذ من جمعية موسيو غانم بباريس وهو أنهم
يطلبون من الحلفاء إخراج الترك من بلادهم ويفوضون أمرها إلى إنكلترة وفرنسة،
فنهضت في إثره متصديا للرد عليه فصفق الأكثرون، وألقيت خطابا حماسيا تدفق
من قلب يقطر دما، افتتحته بقولي: إنني اضطررت الآن إلى مواجهة صديق بالرد
عليه في وجهه لمصلحة الوطن كما اضطررت من قبل إلى مواجهة صديق آخر
بالرد عليه في وجهه لمصلحة الوطن، وهو سليمان أفندي البستاني، وإن كثيرا من
الحاضرين هنا قد كانوا من شهود الاحتفال الذي أقيم للبستاني في فندق الكونتننتال
عقب زيارته لسورية ومصر، وإرادة العودة إلى الآستانة (وذكرت ملخص