تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سورية إلى بعض الدول الأوربية وتجنسها بجنسيتها وتجعلها جزءا منها (الثاني)

أن تكون مستقلة في إدارتها تحت رعاية دولة أوربية (الثالث) وهو رأيي المعدل

أن تكون مستقلة إذا أمكن تحت رعاية الدول العظمى وبشرط أن يكون لها

مستشارون ومراقبون من بعض تلك الدول. وأنا لم أوافق على هذا التعديل؛ لأن

الاستقلال فيه صوري لا حقيقي، ولم أقبل في وقت من الأوقات أن يكون لأجنبي

في بلادنا أدنى سلطان، ثم وجدنا من غير هذه اللجنة أفرادا واتونا على طلب

الاستقلال التام المطلق كما سنذكر بعد.

وقد وضع هؤلاء المؤتمرون مواد أساسية لشكل حكومة البلاد على تقدير

استقلالها التام، ومواد أخرى للاستقلال الإداري تحت الحماية وتقدير وقوعها،

وكتبوا للمشروعين معا مقدمة ووزعت نسخ ما كتب على المؤتمرين، وبعد

مطالعتها دارت المناقشة فيها وعدل بعض موادها. ولما زدت طلب الاستقلال التام

وتكوين دولة عربية في نسختي كتبت في حاشيتها ما يأتي للاحتجاج به مما ذكروا

ما يخدع به طلاب الانضمام إلى الدول الأجنبية وطلاب الاستقلال الإداري في ظل

دولة أجنبية، وهذا نصه:

(ويحتج أصحاب الرأي بأن من وطن نفسه على أن يكون تبعا لغيره لا

يرجى له الارتقاء والوصول إلى الكمال الاجتماعي: كمال الاستقلال والحرية الذي

تبذل الأمم دماءها وأموالها في سبيله، وإن هذا العصرعصر تكوين الجنسيات،

فإذا كانت الأمم العزيزة البالغة أعلى درجات الحضارة لا ترضى لجنس من

الأجناس أن يساوي جنسها باختيارها سواء كان من عناصر دولتها أو مستقلا دونها،

وسواء كان مثلها أو فوقها أو دونها في العلم والمدنية - فهل يعقل أن ترضى أمة

من الأمم أن ترفع شعبا ضعيفا تستولي عليه بالقوة حتى تساويه بأبناء جنسها؟ هذا

محال لا مطمع فيه، فالواجب على السوريين وهم أرقى الأمة العربية علما وحضارة،

ألا يبخسوا أنفسهم وأمتهم ما أعطاهم الله وأعطاها من الاستعداد، ولا يرضوا بأن

يكونوا دون أهل الجبل الأسود والبلغار واليونان، بل يجب أن يقدروا ذلك قدره

ويوجهوا أنفسهم إلى أعلى ما تطلبه الأمم من الكمال، ويبذلون كل ما في وسعهم

لنيل الاستقلال، فإن نالوا بالسعي المنى فقد تم القصد، وإن صدهم المقدار كان لهم

عذر) اه وهذه النسخة محفوظة كغيرها عندي، وثم نسخة عليها تعليق مهم

بقلمي عند باشا من باشوات أولئك المؤتمرين. وقد كان ذلك كل ما أثمره اجتماعهم

في أواخر سنة 1914 وأوائل سنة 1915 وقد سعينا إلى الاتفاق مع غير هؤلاء من

كبار السوريين على طلب الاستقلال لبلادنا وتكوين أمة عربية، فلم نقنع إلا نفرا

قليلا من النصارى في مقدمتهم إسكندر بك عمون الخالد الذكر باستقلال فكره وكرم

أخلاقه، وكان هذا قبل تأليف الحزب السوري الذي يمثل الوطنية الحق بعد جهاد

في تأليفه دام عدة أشهر حتى انتصر طلاب الاستقلال من مؤسسيه على طلاب

الاحتلال.

***

اتفاق سنة 1916 على قسمة البلاد العربية

وضع هذا الاتفاق كل من السير مارك سايكس المستشرق أحد أعضاء مجلس

النواب البريطاني وموسيو جورج بيكو الذي كان قنصل فرنسة، الجنرال في

بيروت إلى عهد إعلان الحلفاء الحرب على الدولة العثمانية، وبعد أن أقنعا دولتيهما

به ألفا وفدا وحضرا إلى مصر، ثم سافرا إلى جدة لأجل التمهيد لقبوله عند

السوريين وملك الحجاز. وقد ألفا في أوائل رجب سنة 1335 وأواخر إبريل سنة

1917 جمعية من السوريين فيها ثلاثة أو أربعة من المسلمين وواحد من وجهاء

الدروز، وباقي أعضائها من المسيحيين لأجل الاتفاق بين أبناء ملل البلاد على ما

سيكون عليه في ظل هذا الاتفاق قبل إعلانه. (وفي هذه المرة لم يطلب السر

مارك سايكس مقابلتي؛ لأنه يئس من استخدامي لمقاصده مما دار بيني وبينه إلمامه

الأول بمصر سنة 1915) وشاع في تلك الأثناء أنه قد ألفت جمعية سورية بمصر

لأجل السعي لاحتلال فرنسا سواحل سورية، وجمعية أخرى لإنشاء حكومة مسيحية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٢٠٢