عني اتهام كثير من الناس إياي بمشايعة هذه الثورة مطلقا، وأردت نشر بلاغ
المنع في المنار، فمنعتني المراقبة الإنكليزية على أنه كان نشر في جريدة (وادي
النيل) في الإسكندرية وسعى بعض رجال المكتب العربي في الصلح بحملي على
تأويل لما كتبت اقترحوه، فلم أقبل، ولكنني أشرت إلى سبب ما كتبته وغرضي
الصحيح منه بما لا يرضي الشريف، على أن غضبه كان لسبب آخر.
والسبب الذي جرأ أمير مكة بالأمس وملك الحجاز اليوم على ما فعل وجعله لا
يبالي بالترك ولا بأمراء جزيرة العرب - هو الاتفاق الذي عقده مع بريطانية العظمى
قبل الثورة، فإنه كان يظن أن سيحكم به جزيرة العرب وسورية والعراق بقوة
بريطانية العظمى التي لا تعلوها قوة في العالم، وقد أشرنا إلى ذلك في بيان صفاته
من الرحلة الحجازية بقولنا (ص357 م 30) (ومنها أن ثقته بالدولة البريطانية
وتقديره لقوتها وعظمتها لا حد لهما ولا سلطان لشيء عليهما) فلهذا لم يكن لأحد
إقناعه بغير ما اعتقده وجرى عليه لا ببرهان العقل ولا بحجج النقل، وله في
جريدة القبلة أقوال في ذلك غريبة نقلنا بعضها، وفيما لم ننقله ما هو أغرب منه
حتى ما نشر بعد خذلانها له ولولده فيصل غير مرة، وهذا الإيمان والتسليم لها في
حالتي الرضا والغضب هو الذي عطفها عليه وعلى أولاده أخيرا كما يأتي بيانه.
على أنه كان يكتم نص هذا الاتفاق حتى عن أولاده حافظا إياه مع المكتوبات
الرسمية الأخرى في الكيس الأزرق الذي لا تناله غير يده. وقد كان بعض
البريطانيين أطلعني على نص هذا الاتفاق بالعربية قبل الثورة وسألني عن رأيي فيه،
فقلت واجما متألما: هذا اتفاق لا يرضى به إلا عدو للعرب أو حمار لا يفهم معناه.
فاحمر وجهه ووقعت بيني وبينه مناقشة حادة فيه إلا أنني تألمت في نفسي لجريان
كلمة (حمار) على لساني. وما رأيته قريب مما بلغه الشريف فيصل في دمشق
لجريدة المفيد، ونشر فيها ونشرناه في الجزء الثالث من هذا المجلد إلا أن فيه تصريحا
بأن غربي سورية ليس عربيا، وأنه لا يدخل في الاتفاق لما تدعيه فرنسة من الحقوق
فيه، وأن ما عداه من البلاد العربية التي لا ينازع إنكلترة أحد في نفوذها فيه هو الذي
تعترف باستقلال ما يستولي عليه الشريف منه بشروط، منها: استثناء ولاية البصرة
الخاصة بالإنكليز، وكون جميع ما تحتاج إليه البلاد التي تستقل باستيلاء الشريف
عليها من الموظفين وغير الموظفين مما يحتاج إليه لإدارة البلاد، فإنما يطلبه من
إنكلترة، واعترافه بجميع ما بينها وبين أمراء العرب وزعمائهم من الاتفاقات
والمكاتبات (وإن لم يطلع على شيء منها) فالشروط خمسة هذا مضمونها، ولا أدري
هل عدل شيء منها أم لا، وقد قيل: إن لديه معاهدات ومكاتبات أخرى، وإنما العبرة
بالعمل، فهو الذي لا يماري أحد فيه، وسيأتي ذكر ما انتهى إليه شوطه وشوط أولاده
فيه، على أنه ظهرت قوادمه وخوافيه.
***
ما ائتمر به السوريون بمصر
اجتمع فريق من أشهر مفكري السوريين المقيمين بمصر في أوائل عهد
الحرب لأجل التشاور في مستقبل سورية، ودعوا كاتب هذا المقال لحضور
اجتماعهم، فكان رأي جمهورهم أن الحلفاء سيكونون هم المنتصرين، وسيستولون
على بلادنا، فينبغي أن نخاطبهم فيما نحب أن تكون عليه حكومة البلاد في ظلهم
احتياطا؛ إذ يرجى أن يتساهلوا الآن فيما لا يتساهلون بمثله بعد النصر، فعارضت
في ذلك جازما بأنه لا يجوز لنا أن نخاطب أحدا في شأن بلادنا، ونفرض أنه
سيكون مستوليا علينا، وقد تكرر هذا الاجتماع في عدة مجالس من دورهم تمحصت
فيها الآراء، وكان الرأي الذي انفرد كاتب هذا المقال بعرضه عليهم والاحتجاج
على صحته والنضال عنه هو وجوب السعي إلى الاستقلال التام وتكوين دولة
عربية إذا انكسر الترك وحلفاؤهم، وأما آراء سائر السوريين من النصارى،
فكانت تنحصر في رأيين، ثم عدل بعضهم رأيي فصارت ثلاثة (الأول) انضمام