وغيرهم في الوقت الذي هم أحوج فيه إلى التأليف والاتحاد، وما يجب من اتقاء
عداوة الترك وإضعاف الدولة، وحصر السعي في جمع كلمة العرب وإيجاد قوة
جديدة لهم من السلاح وغيره استعدادا لحفظ حياتهم، والنهوض بأمر استقلالهم إذا
انكسرت الدولة، وحفظ حقوقهم معها إذا هي انتصرت كما يتمنى كل مسلم، وقد
ظهر لي منه الموافقة على هذا الرأي، وخطبتي التي ألقيتها أمامه في احتفال العيد
العام بمنى، وتصديقه إياي في كل مقاصدها برهان رسمي على ذلك مطبوع في
جريدة القبلة ومجلة المنار [2] .
على أنني لما عرضت عليه الشروع في مخاطبة أئمة الجزيرة حوله إلى
الوحدة وجمع الكلمة، قال: إنه يرى تأخير ذلك إلى أن يستولي على المدينة المنورة
لئلا يظن جيرانه أنه يخطب ودهم خوفا منهم لا رجاء وسعيا للمصلحة العامة، ولم
يرضني هذا الجواب، فقلت له: يمكن أن يكون السعي من - قبل بعض وجهاء
العرب لا باسمكم، بشرط موافقتكم إذا هم وافقوا، فأبى إلا إرجاء ذلك. وبعد أن
عدت إلى مصر أخبرني وأخبر غيري ببعض من كان في خدمته أنه قال: من هؤلاء
الكلاب حتى أتفق معهم؟ اليوم يوجد في الدين الأمير فلان والإمام فلان، وغدا لا
يوجد لا هذا ولا ذاك - وذكر أسماءهم - ولكن هذا الناقل ممن بلونا عليهم الكذب،
وقد كذب لنا وعلينا وله وعليه. وقد يصدق الكذوب، وكان ما قاله هو الواقع، بل
كان من الواقع أن تقاتل مع ابن سعود بدلا من أن يتحدا.
ثم إن الشريف بعد أن بايعه أهل الحجاز باسم ملك العرب واعترف له حلفاؤه
من الإنكليز والفرنسيس بملك الحجاز فقط، جاهر بعداوة الدولة العثمانية والترك،
وبذل الجهد في قتالهم، فخاب أملنا في وقوف ثورته عند الحد الأدنى مما رجوناه
منها بعد أن رفض السعي إلى الحد الأعلى أو السماح به، وقد أشرنا إلى ذلك بقولنا
في بيان الحالة السياسية في الحجاز من الرحلة الحجازية (ص 281 من المجلد
العشرين) عند الكلام على ما كان يراد من مبايعة الشريف بالخلافة وسعينا إلى
مقاومة ذلك:
(بت ليلتي أفكر في هذه المسألة.. . وكان رأيي في مسألة الخلافة هو ما
قيل لي في هذه الليلة عن رأي الأمير دون من حوله، وقد أكبرته لذلك، وكان
أعجبني من منشوريه الأولين جعل عداوته لفئة الاتحاديين المتغلبة لا للشعب التركي
كله، ولا للدولة العثمانية أيضا، وكذلك كانت الثورة في أول عهدها) .
فمفهوم هذه الجملة الأخيرة أن الثورة الحجازية تحولت عند كتابة هذه النبذة
من الرحلة عما كانت عليه من ذلك في أول عهدها، ومنه الوقت الذي كنت فيه
بمكة، وهذا كل ما كان يمكن التلميح إليه تحت عين المراقبة (وذلك في ربيع
الآخر سنة 1336 فبراير سنة 1918) ولمحت قبله في (ص 280) إلى الحديث
الذي دار بيني وبين الشريف الأمير في شكل حكومة الحجاز الجديدة بقولي: إنني
ذكرت له رأيي مفصلا تفصيلا، وأقول الآن: إن ذلك تفصيل كان في بيان
محظورات انتحاله لمنصب الخلافة، وما يترتب عليه من المفاسد مع كونه هو
مبايعا للسلطان محمد رشاد، وحديث: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)
(رواه مسلم في صحيحه) وكون بيعة أهل الحجاز له لا تصح؛ لأنهم ليسوا أهل
الحل والعقد في الأمة الإسلامية، وهم خاضعون لسلطته وحكمه غير أحرار في
اختيارهم، وكراهة العالم الإسلامي كله لثورة الحجاز وغير هذا مما لم يكن
التصريح به ممكنا في عهد المراقبة، وقد كان الشريف يؤمل أن أكون من أنصار
الثورة وأعمال الحجاز، وكان هذا ما يجب علي لو جرت الأعمال على ما أعتقد
صلاحه كما صرحت له عند وداعه، ولما لم أفعل أظهرت حكومته لي العداء،
وأمرت بمنع المنار من دخول الحجاز بحجة أنني طعنت في رجالها بما يرفع الثقة
منها، ونشر ذلك في جريدة القبلة ولله الحمد، فلما علمت به كان أول ما خطر على
قلبي قوله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ (الحج: 38) فإنه يدفع