تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد مضى على الأمة الإسلامية حين من الدهر كانت تكتنفها به الجهالات

وتعمل في أعضائها أيدي الفساد، فقد ابتلاها الله بمن أضاعوا رشدها وأضلوها

سواء السبيل، أولئك قوم نصبوا أنفسهم لهدي الأمة فضيقوا عليها المسالك،

وأفهموها الدين بصورة لا تنطبق على الدين الحنيف بشيء، فخدروا أعصابها،

وأضعفوا بنيانها، حتى جاد الله عليها بحكماء ينبهون أعصاب العامة، ويهدئون

روع العقلاء، فأنجبت الأفغان للأمة ركنا وسندا، ونفحتها مصر الكريمة عضدا

ومرشدا، ولم تكن سوريا بأقل منهما حظا، بل هي تفتخر بأن كان من أبنائها من

غدا للأمة هاديا، ولضعفها مداويا، تتجه نحوه آمال المسلمين في أقطار المعمورة

فيجدون به مضيء سبيلهم، والآخذ بأيديهم إلى محجة الصواب.

إن الأمة الإسلامية بحاجة إلى من يفهمها الدين المبين بأسهل الطرق وأقربها

تناولا، إننا بحاجة شديدة إلى علماء يوفقون بين الدينيات ومبادئ العمران التي

وضعت عليها أساسات الدين، فلا يجعلون الدين بمعزل عن كل ما من شأنه أن يدعو

إلى الحضارة والتقدم حتى يخال للناظر البعيد كاللورد كرومر مثلا، ذلك الرجل العظيم

الذي لم يكلف نفسه مؤنة البحث، بل اكتفى أن حكم على الإسلام بالمسلمين أنه ينافي

روح العصر والمدنية، وهو الدين الكريم الذي ملأ الأرجاء نورا، ونفخ في العالم

روح حياة مدنت الأمصار.

ولن تنسى الأمة الإسلامية ما أحدثتها في نفسها تعاليم المرحوم السيد جمال

الدين الأفغاني الذي نسميه بحق المصلح الكبير وفيلسوف القرن الأخير، والذي جدد

للإسلام رونقه وبهاءه، وقد لاقى في حياته الإصلاحية من العثرات ما يثني عزم

الضعيف ويشحذ همة العظيم، فمر عليها جميعا معليا شأن الدين، ومثبتا فلسفته

الدينية على أمتن الأركان حتى شهد له فلاسفة العالم الأوربي بمقدرته الفائقة، وعلو

كعبه في مباحثه الدقيقة، فأحلوه من الإكرام المقام الأسمى، وكان من النوابغ الذين لا

تجود بهم الطبيعة في كل حين.

ثم داوم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ذلك الجهاد بتعاليم تروق للنفوس

فتغذيها بأبدع الأساليب، ففسر آيات الكتاب المجيد بصورة سهلة رائقة وعبارات

بسيطة واضحة لم يسبق لها مثيل اهتز لها العالم الإسلامي إجلالا وإعجابا، وإن من

فتاويه الكثيرة لما يأخذ بالألباب، ولست بالمحدثة الشهيرة، فأحدثكم عن تعاليمه

ومباديه، أو أروي فلسفته وفتاويه، بل يروق لي أن أذكر هنا قصة صغيرة تدل على

الأساليب البسيطة التي سار عليها الأستاذ الإمام، ويمشي في سبيلها الآن سماحة

خلفه الأستاذ الكبير: أسلم أحدهم مرة، فجاء الأستاذ الإمام يطلب إليه فقيها يعلمه

أصول الدين، فمضى عليه عدة أيام وهو يعلمه الشروح عن الماء الطاهر منه

وغير الطاهر أو المطهر، فجاء بعدها يشكو أمر هذه الشروح الطويلة إلى

الأستاذ - رحمه الله - فأجابه: اذهب يا بني فالماء الذي تشرب منه توضأ به.

على هذه الطريقة السهلة الفنية يثبت في أذهان القوم الدين القويم، ويسار بهم إلى

الإصلاح على صراط مستقيم، وقد جاهد - رحمه الله - في إصلاح شأن الأمة في

عدة سنين ما أفسده عليها غيره في قرون، فقال عنه السيد الأفغاني: إنه لمصر

أعز من جيش وأقوى من أسطول. وكان للأمة بأجمعها معزز جيوش عمرانها وقائد

أساطيل تجدد بنيانها.

ولم تحرم الأمة بعدهما يدا قوية على الإصلاح، ولا عدمت همة عالية تلم

شعثها وتقوم معوجها، فكان من فضيلة الأستاذ الكريم الذي نتشرف بالاحتفال به

اليوم ومن مناره الأغر أمتن رابطة بين المسلمين في أنحاء الأرض المترامية

الأطراف، يؤثر في نفوسهم بجهاد متواصل عرفه له الخاص والعام، فقام أهل

الهند يحتفلون به ذاك الاحتفال الكبير، يظهرون به مشاعرهم نحو المجاهد العظيم،

وقامت البلاد الإسلامية تردد صدى آرائه السامية، وتقدم لجهاده ألوية شكرها وثنائها،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ١٨٥