فهن قد سبقن في بدايتهن نساء مصر إلى هذه المحافل والمجامع التي كان يتمناها
قاسم أمين وإخوانه من زهاء ربع قرن مع مبالغتهن في الحجاب وكثافة النقاب،
حتى إن بعض الأوانس من أعضائه حضرن حفلة ذكرى مرور قرن على المعلم
بطرس البستاني في الجامعة الأمريكانية ببيروت، وألقت فيها عنبرة سلام وعادلة
بيهم فيها ما جادت به قرائحهن في الموضوع على الجم الغفير من الرجال والنساء.
دعاني أحمد مختار بك - رحمه الله -[1] إلى زيارة هذا النادي وإلقاء النصائح
والحكم فيه تعضيدا له وإرشادا للسيدات المسلمات، فإنهن يتمنين الاستفادة مني
كالرجال، وقد جرت العادة بأن ألقي في بعض مساجد بيروت ومجامعها خطبا
ودروسا في كل زيارة من زياراتي لها، فأجبته إلى ذلك.
زرت النادي أولا، ثم أجبت دعوته إلى إلقاء نصيحة عامة فيه، وكان هذا
في يوم مشهود حضره بالدعوة كثير من النساء والرجال، ومنهم من لم يكن يلم به،
ولا يسمح لأحد من أهل بيته بالإلمام به، وألقيت فيه خطابا مطولا ذكرت فيه
خلاصة وجيزة عن حال النساء في مصر، وفوائد نهضتهن وغوائلها، وما ينبغي
للمسلمات السوريات في بيروت وغيرها من الاعتبار بها، وبينت فيه حالة العصر
الاجتماعية، وما ينبغي للمرأة المسلمة فيه من الجمع بين فضائل دينها وآدابه
ومعرفة ما يجب عليها لبيتها ووطنها وأمتها، وما يجب من تقديم الأهم فالأهم،
وهو تدبير المنزل وتربية الأولاد وما يتوقفان عليه من العلوم الكثيرة، فنال هذا
الخطاب استحسان جميع الأحزاب المختلفة في هذا الموضوع، وإنني أنشر هنا ما
ألقته رئيسة (جمعية الأمور الخيرية للفتيات المسلمات) التي تدير المدرسة والنادي
السابق ذكرهما ترحيبا بي، وسأنشر في فرصة أخرى بعض ما ألقي في حفلاته
السابقة؛ ليقف قراء المنار على أفكارهن ودرجة تقدمهن.
***
ترحيب الرئيسة الفاضلة
سيدات النبل وسادة الفضل
إن جمعية الأمور الخيرية للفتيات المسلمات ترحب اليوم بضيفها الكريم العالم
الفاضل صاحب السيادة الأستاذ رشيد رضا، فهو الخطيب البليغ الذي طالما لهجت
الألسن بذكر مناره الذي أضاء العالم الإسلامي بأبحاثه العلمية المفيدة، وقد رأيناه
عند اجتماعنا به للمرة الأولى في مدرستنا خير نصير للمرأة؛ إذ أفاض علينا من
بعض حكمه ما يجعلنا نزداد نشاطا بأن نعيد مجد السلف الصالح، فنستمد منه تلك
القوة الأدبية والمعارف السامية التي طالما تاقت النفوس إليها، ونضم إلى ذلك ما
يلائم حالتنا وتقاليدنا من الرقي العصري، فحبا بالاستفادة من ينابيع علمه وفضله،
فقد قامت هيئة جمعيتنا بدعوة حضرته ليلقي على مسامعنا محاضرة علمية تكون
خير ذكرى يحفظها نادينا لسيادته.
فباسم جمعيتنا أقدم الشكر لسماحته، ولكل من يعاضد صروح العلم والأدب،
ونخص منهم بالشكر حضرة الوطني الغيور الوجيه الفاضل السيد عارف النعماني
الذي تبرع بمبلغ مائتي ليرة لمدرستنا لتصرف في سبيل تعليم الفتيات البائسات
اللواتي يدعين إلى الله بأن يديمه عضدا للإحسان، فسلام على كل روح أوقفت
لإعلاء الوطن وأهله.
... ... ... ... ... ... بيروت 12 ربيع سنة 1338
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... خديجة بربير
***
خطبة النابغة الفاضلة الآنسة عنبرة سلام
سيداتي الكريمات وساداتي الأفاضل
خلق الإنسان للجهاد في هذه الحياة، فهو لا يزال يكافح الخطوب وينازل
العثرات، فتارة يروح تحتها، وتارة تكون له الغلبة عليها، وهو دائما في نزاع
مستمر مع القوى المحيطة به، ولكنه إما أن يجاهد في كسب معاشه وموارد رزقه،
فيدل على أنه إنسان حي في جسم المجتمع البشري، وإما أن يقوم بالنصرة العامة
على طرق مختلفة، وأشد هذه الطرق صعوبة ما كان يقصد منها تغيير معتقدات
فاسدة كانت في نفوس الناس أجيالا طويلة، حتى قيض الله نابغة يعالج هذه المعتقدات
ويكافحها بأحسن منها، فهو العالم الحكيم والمجاهد العظيم.