﴿ أو نلعنهم كما لعنا أصحب السبت ﴾ أو نخزيهم بالمسخ كما أخزينا به أصحاب السبت، أو نمسخهم مسخا مثل مسخهم، أو نلعنهم على لسانك كما لعناهم على لسان داود. والضمير لأصحاب الوجوه أو للذين على طريقة الالتفات، أو للوجوه إن أريد به الوجهاء، وعطفه على الطمس بالمعنى الأول يدل على أن المراد به ليس مسخ الصورة في الدنيا ومن حمل الوعيد على تغيير الصورة في الدنيا قال إنه بعد مترقب أو كان وقوعه مشروطا بعدم إيمانهم وقد آمن منهم طائفة. ﴿ وكان أمر الله ﴾ بإيقاع شيء أو وعيده، أو ما حكم به وقضاه. ﴿ مفعولا ﴾ نافذا وكائنا فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا.
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ لأنه بت الحكم على خلود عذابه وأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره. ﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ أي ما دون الشرك صغيرا كان أو كبيرا. ﴿ لمن يشاء ﴾ تفضلا عليه وإحسانا. والمعتزلة علقوه بالفعلين على معنى إن الله لا يغفر الشرك لمن يشاء. وهو من لم يتب ويغفر ما دونه لمن يشاء وهو من تاب. وفيه تقييد بلا دليل إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى منه ونقض لمذهبهم فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة والصفح بعدها، فالآية كما هي حجة عليهم فهي حجة على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار. ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ ارتكب ما يستحقر دونه الآثام، وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذلك الاختلاق.
﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ يعني أهل الكتاب قالوا
نحن أبناء الله وأحباؤه
[المائدة: 18] وقيل:
" ناس من اليهود جاؤوا بأطفالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل على هؤلاء ذنب قال لا قالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار "
وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها. ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ تنبيه على أن تزكيته تعالى هي المعتد بها دون تزكية غيره، فإنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبيح، وقد ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين. وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلا أو قولا. ﴿ ولا يظلمون ﴾ بالذم أو العقاب على تزكيتهم أنفسهم بغير حق. ﴿ فتيلا ﴾ أدنى ظلم وأصغره، وهو الخيط الذي في شق النواة يضرب به المثل في الحقارة.
﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في زعمهم أنهم أبناء الله وأزكياء عنده. ﴿ وكفى به ﴾ بزعمهم هذا أو بالافتراء. ﴿ إثما مبينا ﴾ لا يخفى كونه مأثما من بين آثامهم.