تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4.40

﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيء كالذرة، وهي النملة الصغيرة. ويقال لكل جزء من أجزاء الهباء، والمثقال مفعال من الثقل، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه. ﴿ وإن تك حسنة ﴾ وإن يكن مثقال الذرة حسنة وأنت الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى مؤنث. وحذف النون من غير قياس تشبيها بحروف العلة. وقرأ بن كثير ونافع ﴿ حسنة ﴾ بالرفع على كان التامة. ﴿ يضعفها ﴾ يضاعف ثوابها وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعفها وكلاهما بمعنى. ﴿ ويؤت من لدنه ﴾ ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل زائدا على ما وعد في مقابلة العمل ﴿ أجرا عظيما ﴾ عطاء جزيلا، وإنما سماه أجرا لأنه تابع للأجر مزيد عليه.

4.41-50

﴿ فكيف ﴾ أي فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم؟. ﴿ إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ يعني نبيهم يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم، والعامل في الظرف مضمون المبتدأ والخبر من هول الأمر وتعظيم الشأن. ﴿ وجئنا بك ﴾ يا محمد. ﴿ على هؤلاء شهيدا ﴾ تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم. وقيل هؤلاء إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم. وقيل إلى المؤمنين كقوله تعالى:

لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا

[البقرة: 143] ﴿ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ﴾ بيان لحالهم حينئذ، أي يود الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الأمر، أو الكفرة والعصاة في ذلك الوقت أن يدفنوا فتسوى بهم الأرض كالموتى، أو لم يبعثوا أو لم يخلقوا وكانوا هم والأرض سواء. ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل الواو للحال أي يودون أن تسوى بهم الأرض وحالهم أنهم لا يكتمون من الله حديثا ولا يكذبونه بقولهم

والله ربنا ما كنا مشركين

[الأنعام: 23] إذ روي: أنهم إذا قالوا ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم، فيشتد الأمر عليهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض. وقرأ نافع وابن عامر ﴿ تسوى بهم ﴾ على أن أصله تتسوى فأدغمت التاء في السين. وقرأ حمزة والكسائي ﴿ تسوى ﴾ على حذف التاء الثانية يقال سويته فتسوى.

﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ أي لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من نحو نوم أو خمر حتى تنتهوا وتعلموا ما تقولون في صلاتكم. روي (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه صنع مأدبة ودعا نفرا من الصحابة حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، وجاء وقت صلاة المغرب فتقدم أحدهم ليصلي بهم فقرأ: أعبد ما تعبدون). فنزلت. وقيل أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد وليس المراد منه نهي السكران عن قربان الصلاة، وإنما المراد النهي عن الإفراط في الشرب والسكر، من السكر وهو السد. وقرىء ﴿ سكرى ﴾ بالفتح وسكرى على أنه جمه كهلكى. أو مفرد بمعنى وأنتم قوم سكرى، أو جماعة سكرى وسكرى كحبلى على أنها صفة للجماعة. ﴿ ولا جنبا ﴾ عطف على قوله ﴿ وأنتم سكرى ﴾ إذ الجملة في موضع النصب على الحال، والجنب الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأنه يجرى مجرى المصدر. ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ متعلق بقوله ﴿ ولا جنبا ﴾ ، استثناء من أعم الأحوال أي لا تقربوا الصلاة جنبا في عامة الأحوال إلا في السفر وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم، ويشهد له تعقيبه بذكر التيمم، أو صفة لقوله ﴿ جنبا ﴾ أي جنبا غير عابري سبيل.

وفيه دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث. ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها، وجوز الجنب عبور المسجد. وبه قال الشافعي رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا يجوز له المرور في المسجد إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق. ﴿ حتى تغتسلوا ﴾ غاية النهي عن القربان حال الجنابة، وفي الآية تنبيه على أن المصلي ينبغي أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه، ويزكي نفسه عما يجب تطهيرها عنه. ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ مرضا يخاف معه من استعمال الماء، فإن الواجد كالفاقد. أو مرضا يمنعه عن الوصول إليه. ﴿ أو على سفر ﴾ لا تجدونه فيه. ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين، وأصل الغائط المكان المطمئن من الأرض. ﴿ أو لمستم النساء ﴾ أو ما مسستم بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي على أن اللمس ينقض الوضوء. وقيل: أو جامعتموهن. وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي المائدة «لمستم»، واستعماله كناية عن الجماع أقل من الملامسة. ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ فلم تتمكنوا من استعماله، إذ الممنوع عنه كالمفقود. ووجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمم إما محدث أو جنب، والحالة المقتضية له في غالب الأمر مرض أو سفر. والجنب لما سبق ذكره اقتصر على بيان حاله والمحدث لما لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغني عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملا فكأنه قيل: وإن كنتم جنبا مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ﴿ فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾. أي فتعمدوا شيئا من وجه الأرض طاهرا. ولذلك قالت الحنفية: لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح به أجزأه. وقال أصحابنا لا بد من أن يعلق باليد شيء من التراب لقوله تعالى في المائدة

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٢٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٢٧١