4.168
﴿ إن الذين كفروا وظلموا ﴾ محمدا عليه الصلاة والسلام بإنكار نبوته، أو الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم أو بأعم من ذلك. والآية تدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع إذ المراد بهم الجامعون بين الكفر والظلم. ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ﴾.
4.169
﴿ إلا طريق جهنم خلدين فيها أبدا ﴾ لجرى حكمه السابق ووعده المحتوم على أن من مات على كفره فهو خالد في النار وخالدين حال مقدرة. ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ لا يصعب عليه ولا يستعظمه.
4.170-176
﴿ يأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ﴾ لما قرر أمر النبوة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإجابة والوعيد على الرد. ﴿ فآمنوا خيرا لكم ﴾ أي إيمانا خيرا لكم أو ائتوا أمرا خيرا لكم مما أنتم عليه. وقيل تقديره يكن الإيمان خيرا لكم ومنعه البصريون لأن كان لا يحذف مع اسمه إلا فيما لا بد منه ولأنه يؤدي إلى الشرط وجوابه. ﴿ وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض ﴾ يعني وإن تكفروا فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم، ونبه على غناه بقوله: ﴿ لله ما في السموات والأرض ﴾ وهو يعم ما اشتملتا عليه وما ركبتا منه. ﴿ وكان الله عليما ﴾ بأحوالهم. ﴿ حكيما ﴾ فيما دبر لهم.
﴿ يأهل الكتب لا تغلوا في دينكم ﴾ الخطاب للفريقين، غلت اليهود في حط عيسى عليه الصلاة والسلام حتى رموه بأنه ولد من غير رشدة، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلها. وقيل الخطاب للنصارى خاصة فإنه أوفق لقوله: ﴿ ولا تقولوا على الله إلا الحق ﴾ يعني تنزيهه عن الصاحبة والولد. ﴿ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى مريم ﴾ أوصلها إليها وخصها فيها. ﴿ وروح منه ﴾ وذو روح صدر منه لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له، وقيل سمي روحا لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب ﴿ فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ﴾ أي الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم، ويشهد عليه قوله تعالى:
أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله
[المائدة: 116] أو الله ثلاثة إن صح أنهم يقولون الله ثلاثة أقانيم الأب والابن وروح القدس، ويريدون بالأب الذات، وبالابن العلم، وبروح القدس الحياة. ﴿ انتهوا ﴾ عن التثليث. ﴿ خيرا لكم ﴾ نصبه كما سبق. ﴿ إنما الله إله وحد ﴾ أي واحد بالذات لا تعدد فيه بوجه ما. ﴿ سبحنه أن يكون له ولد ﴾ أي أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد فإنه يكون لمن يعادله مثل ويتطرق إليه فناء. ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ ملكا وخلقا لا يماثله شيء من ذلك فيتخذه ولدا. ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ تنبيه على غناه عن الولد فإن الحاجة إليه ليكون وكيلا لأبيه والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلقه أو يعينه.
﴿ لن يستنكف المسيح ﴾ لن يأنف، من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك كيلا يرى أثره عليك. ﴿ أن يكون عبدا لله ﴾ من أن يكون عبدا له فإن عبوديته شرف يتباهى به، وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره. روي
" أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تعيب صاحبنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى عليه الصلاة والسلام، قال عليه السلام: وأي شيء أقول. قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله، قال إنه ليس بعار أن يكون عبد الله، قالوا: بلى "
فنزلت ﴿ ولا الملئكة المقربون ﴾ عطف على المسيح أي ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا لله، واحتج به من زعم فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقال مساقه لرد قول النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضي أن يكون المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه حتى يكون عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه، وجوابه أن الآية للرد على عبدة المسيح والملائكة فلا يتجه ذلك وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير كقولك: أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرءوس، وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين هم حول العرش، أو من أعلى منهم رتبة من الملائكة على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقا والنزاع فيه ﴿ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر ﴾ ومن يرتفع عنها، والاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وإنما يستعمل من حيث الاستحقاق بخلاف التكبر فإنه قد يكون بالاستحقاق. ﴿ فسيحشرهم إليه جميعا ﴾ فيجازيهم.